المجتمع الدولي واليمن المختطَف

المجتمع الدولي واليمن المختطَف

المجتمع الدولي واليمن المختطَف

 صوت الإمارات -

المجتمع الدولي واليمن المختطَف

بقلم : يوسف الديني

لم تكن الطائرة الإيرانية التي حطّت في مطار صنعاء، في تصرف غير مسؤول، مجرد رحلة جوية كسرت عزلة الحوثيين كما يزعمون، بل هي في جوهرها اختبار إضافي للمجتمع الدولي تجاه السيادة. فالقضية لا تتعلق بطائرة أو بشركة طيران أو حتى بما يتم تداوله في الداخل اليمني عن وجود خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني على متنها، وإنما بسؤال أساسي في الحالة اليمنية ظل عالقاً منذ عقدين: هل ما زال اليمن يُعامل بوصفه دولة ذات سيادة، أم أنه أصبح منطقة نفوذ مفتوحة لاختطاف ميليشياوي ومشاريع إقليمية تقويضية؟

من هنا تمكن قراءة تصريحات المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية اللواء تركي المالكي، والمتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد عبده مجلي، مختلفة في توقيتها ونبرتها ودلالاتها، حيث تجاوزت مسألة بيانات الردع العسكرية إلى قراءة أعمق للحالة اليمنية بوصفها متصلة بالتحولات الإقليمية الكبرى، وأن أي محاولة لإعادة تكريس النفوذ الإيراني عبر اليمن تمثل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة والممرات الدولية، فضلاً عن كونها تعميقاً لجراح الدولة الشرعية والقسم الأكبر من الشعب اليمني الذي يقف على الضد تماماً من اختطاف الميليشيا وفرض الأمر الواقع.

معضلة اليمن تبدأ من الطريقة التي جرى بها توصيفها دولياً. فمنذ اندلاع الأزمة افترضت دول ومنظمات عديدة أن اليمن يعيش نزاعاً أهلياً بين أطراف يمنية متنافسة يحتاج إلى تسوية سياسية وتقاسم للسلطة وترتيبات لوقف إطلاق النار. وهذه مقاربة تلتقط جانباً من الصورة لكنها تتجاهل حقيقة أكثر تأثيراً، وهي أن الحوثيين منذ استيلائهم على السلطة لم يعودوا مجرد طرف سياسي مسلح، بل تحولوا مع الوقت، وبفعل التشخيص الخاطئ، إلى سلطة أمر واقع قسرية وذراع ميليشياوية مرتبطة بمشروع إقليمي يتجاوز حدود اليمن، وتُسخِّر مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها لخدمة الخارج لا لخدمة اليمنيين، مع اقتصاد موازٍ قائم على الإتاوات والموارد غير المشروعة، وتجنيد الأطفال والزج بهم في الحرب، وهي وقائع موثقة في تقارير المنظمات الدولية نفسها.

والفرق بين المقاربتين جوهري؛ فمن يرى الحوثيين مكوناً سياسياً كسائر المكونات اليمنية، وأن الحل يكمن في إدارة الخلاف بينهم وبين بقية الأطراف، يتجاهل أن الجماعة عندما ربطت قرارها السياسي والعسكري بمشروع خارجي لم تعد تمثل مجرد طرف في نزاع داخلي، بل أصبحت حالة «دولة داخل الدولة»، الأمر الذي يجعل استعادة مؤسسات الدولة شرطاً يسبق أي تسوية سياسية مستدامة.

وجاءت الرحلة الإيرانية الأخيرة لتؤكد هذه الحقيقة. فلو كانت العلاقة بين طهران والحوثيين مجرد دعم سياسي أو تقارب آيديولوجي لما أثارت كل هذا الجدل، لكنَّ وصول طائرة مباشرةً إلى مطار خارج سلطة الحكومة الشرعية، وفي توقيت إقليمي شديد الحساسية، يحمل رسالة واضحة مفادها أن إيران ما زالت تنظر إلى اليمن بوصفه إحدى ساحات نفوذها، وأن الحوثيين ما زالوا يرون هذا الارتباط مصدر شرعيتهم وقوتهم.

يعتقد الحوثيون أن أي تهدئة في الملف الإيراني، أو أي تفاهم محتمل بين طهران والقوى الدولية، سينعكس تلقائياً على تحسين موقعهم التفاوضي، وربما يمنحهم اعترافاً أكبر بسلطتهم. وهذا الرهان يقوم على افتراضين: المشابهة مع «حزب الله»، وقبول المجتمع الدولي بتكرار التجربة. غير أن هذا الاعتقاد يغفل أن إيران نفسها باتت مطالَبة بإعادة ترتيب أولوياتها، وإعادة النظر في استراتيجيتها الإقليمية، والالتفات إلى الداخل، وإعادة بناء علاقاتها مع دول الجوار.

كما يتجاهل أن أي تفاهمات مستقبلية مع إيران، لا سيما مع دول المنطقة وفي مقدمتها السعودية، لا يمكن أن تقوم على توسيع النفوذ أو تعزيز دور الأذرع المسلحة. بل إن هذه الأذرع مرشحة لأن تتحول إلى عبء تفاوضي أكثر منها ورقة ضغط، خصوصاً بعد أن تجاوز الحوثيون الخطوط الحمراء باستهداف الملاحة الدولية وتعطيل حركة التجارة في باب المندب، الأمر الذي غيّر نظرة العالم إلى الملف اليمني، فلم يعد مجرد أزمة إنسانية أو حرب أهلية، بل أصبح قضية تمس الأمن البحري العالمي.

وهنا تتضح أهمية المقاربة السعودية في اليمن، فهي المقاربة الوحيدة التي لم تقم على مشروع نفوذ أو تقسيم، بل على إعادة اليمن إلى اليمنيين، وإخراجه من معادلة الاستلاب الخارجي والنزاعات الداخلية. فعلى الرغم من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت المملكة، لم تتبنَّ الرياض مشروعاً لإدارة الفوضى أو تقسيم البلاد، وإنما استثمرت في مسارات التهدئة، ودعمت المبادرات الأممية، وقدمت دعماً اقتصادياً واسعاً للحكومة الشرعية، انطلاقاً من أن استقرار اليمن جزء من أمن المنطقة، لا سيما مع تصاعد التهديدات القادمة من القرن الأفريقي.

لقد حصل الحوثيون خلال السنوات الماضية على فرص متكررة للعودة إلى العمل السياسي بوصفهم مكوناً يمنياً داخل الدولة، لكنهم اختاروا في كل مرة ترسيخ دور الميليشيا، والاستثمار في فائض القوة، وربط مستقبلهم بمشاريع إقليمية تتراجع أوراقها يوماً بعد آخر.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يعيد المجتمع الدولي طرحه اليوم ليس: كيف يتقاسم اليمنيون السلطة مع جماعة اختطفت الدولة؟ بل: كيف تُستعاد الدولة المختطفة إلى اليمنيين جميعاً؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المجتمع الدولي واليمن المختطَف المجتمع الدولي واليمن المختطَف



GMT 18:44 2026 الثلاثاء ,22 أيلول / سبتمبر

هل انتهت الأمم المتحدة؟ المسكونة تهدأ

GMT 18:44 2026 الثلاثاء ,22 أيلول / سبتمبر

العقل الإسرائيلي... سِلاحاً

GMT 18:43 2026 الثلاثاء ,22 أيلول / سبتمبر

المسألة اليمنية تتحول إلى قضية أمن دولي

GMT 18:42 2026 الثلاثاء ,22 أيلول / سبتمبر

النفط فوق 100 دولار... عندما تصبح المضائق مصدر الخطر

GMT 18:41 2026 الثلاثاء ,22 أيلول / سبتمبر

كيف ينقذ العالم اقتصاده؟

GMT 18:40 2026 الثلاثاء ,22 أيلول / سبتمبر

«حصاد» السلاح اللاشرعي يحدد الخيارات

GMT 18:39 2026 الثلاثاء ,22 أيلول / سبتمبر

في انتظار مهرجان دبي السينمائي!

GMT 18:38 2026 الثلاثاء ,22 أيلول / سبتمبر

جدل السياسة والمهنية

الملكة رانيا تثير الإعجاب بإطلالاتها الرسمية وتبدع في تنسيق الفستان الكلاسيكي

باريس - صوت الإمارات
على مدار أسبوعين أطلت الملكة رانيا بأناقة كلاسيكية راقية، اتسمت بطابع ملكي هادئ ووقور، حيث اختارت ملكة الأردن تشكيلة من الإطلالات المميزة للتألق في جولتها الأوروبية، فضلت فيها الفساتين الكلاسيكية الأنيقة بقصات أنثوية، بين الألوان الهادئة والقوية، نسقتها جميعها بأسلوب غير متكلف ولكنها لم تفشل في جذب الأنظار كعادتها، لذلك نشارك معكم تفاصيل اختيارات الملكة رانيا، بفساتين راقية رافقتها في لقاءاتها الرسمية في مختلف الدول الأوروبية، والتي ذكرتنا بأسلوبها الملكي الراقي في تنسيق الفساتين الكلاسيكية. أحدث ظهور للملكة رانيا في براغ برفقة الملك عبدالله كان خاطفا للأنظار، حيث ارتدت ملكة الأردن فستانا بسيطا وهادئا باللون الأزرق، من توقيع Emilia wickstead، جاء بطول ميدي وأكمام قصيرة مع الياقة المثنية والخصر المحدد، مع أطراف متفتحة بالث...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 19:49 2019 الخميس ,12 أيلول / سبتمبر

تشعر بالغضب لحصول التباس أو انفعال شديد

GMT 17:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 20:42 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

12 دولة تبحث إصلاح منظمة التجارة العالمية

GMT 00:42 2013 الأحد ,01 كانون الأول / ديسمبر

تخصيص 216ألف متر لإنشاء 3آلاف وحدة سكنية بشمال الغردقة

GMT 23:22 2022 الخميس ,22 كانون الأول / ديسمبر

إيران بين تخبط النظام وثورة الشارع!

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 17:01 2019 الأحد ,11 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 15:55 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ولي عهد الشارقة يطلق «جائزة للابتكار»

GMT 22:12 2019 الإثنين ,12 آب / أغسطس

سعر الذهب يتماسك بفضل مخاوف التجارة والنمو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates