البابا تواضروس كل سنة وأنت طيب

البابا تواضروس... كل سنة وأنت طيب

البابا تواضروس... كل سنة وأنت طيب

 صوت الإمارات -

البابا تواضروس كل سنة وأنت طيب

بقلم: فاطمة ناعوت

ليس أقسى على الأوطان من أن ينجح أحدٌ فى غرس بذور الشتات بين أبنائها وإقناعهم بأنهم غرباءُ بعضهم عن بعض. وليس أجمل من رجلٍ يقف فى وجه تلك الفكرة، لا بسيفٍ ولا بخصومة، بل بكلمةٍ محبة تُعيدُ الناسَ إلى بديهيتهم الأولى: أنهم أبناء بيتٍ واحد، وأبٍ واحد.

يوم 4 نوفمبر، حلّ عيد ميلاد قداسة البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية. وفى هذا اليوم، لا أريد أن أكتب عن الصيدلانى المثقف الذى صار البابا رقم 118 فى تاريخ مصر الحافل بباباوات أجلاء أثبتوا وطنيتهم فى المحكّات والمحن، بل أكتب عن رجلٍ جعل من الانتماء إلى مصر موقفًا حاسمًا لا يحتمل المساومة، وصنع من المحبة رسالةً تتجاوز أسوار الكنائس لسائر بيوت مصر، وأرسى من وحدة المصريين قضيةً وطنية لا تخصُّ المسلمين وحدهم ولا المسيحيين وحدهم، بل تخصُّ مصر.

«وطنٌ بلا كنائسَ أفضل من كنائسَ بلا وطن»، عبارةٌ خالدة قالها قداسة البابا تواضروس، ودوّنها التاريخ. عبارةٌ سجّلت فلسفته الوطنية وموقفه من الإرهاب الإخوانى عام 2013 الذى ضرب الكنائس واستهدف أشقاءنا المسيحيين فى صلواتهم ومناسباتهم الدينية وحتى فى حفلات أعراسهم. تلك الاعتداءات الصعبة التى أسفرت عن نيران التهمت دور العبادة، كان من الممكن أن تتحول إلى لهيب يكوى صدور الناس؛ لولا حكمة هذا الرجل النبيل التى نجحت فى إطفاء الحريق قبل أن يمتد إلى النفوس؛ حتى إننا شهدنا بعيوننا ثكالى مسيحيات يغفرن للإرهابيين قتلة بناتهن وأبنائهن، ويدعون لهم. تلك معجزة مسيحيى مصر الملغزة العصيّة على الفهم؛ لكنها تطبيقٌ دقيق لوصية السيد المسيح عليه السلام: «أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم». كافح البابا من أجل الحفاظ على الوطن؛ فالمبنى، مهما بلغت قداسته، يمكن إعادة بنائه، أما الوطن إذا انهار فأحجار الكون لا تكفى لإعادته. وشرح البابا تلك الفكرة بوضوح، فقال: الكنيسة تُبنى من الطوب والحجارة، أما الوطن فهو الناس، وإذا ضاع الوطن، كيف نستعيده؟!

تلك العبارة الخالدة لم تكن محض حكمة بلاغية جميلة؛ بل كانت موقفًا عمليًّا فى لحظة مفصلية شديدة الخطورة. ففى الوقت الذى كان الإرهاب يحاول فيه جرّ المصريين إلى فخّ التناحر والانتقام المتبادل، دعا البابا أبناءه إلى ضبط النفس، ورفض أن تتحول آلامُ الأقباط إلى وقودٍ لفتنةٍ محققة أرادها أعداءُ مصر. فقد أدرك بحكمته أن المتطرف لا يروم إحراق مبنى الكنيسة؛ بل قصد إحراق الجسر الذى يصل بين المصريين، وتمزيق جسد مصر.

وفى 3 يوليو 2013، وقف قداسة «البابا تواضروس» إلى جوار فضيلة شيخ الأزهر الدكتور «أحمد الطيب»، وممثلى القوى الوطنية، فى مشهد إعلان خريطة الطريق. وكان اصطفافًا وطنيًّا يقول إن مصر وطنٌ لا ينهض إلا بجميع أبنائه، وأن مصيرها أكبرُ من التباين الطائفى أو الخلاف السياسى. فحين تكون مصر هى القضية، لا تعود وحدة المصريين شعارًا احتفاليًّا، بل مسؤولية تاريخية.

فى لقائه بالمستشارة الألمانية «آنجيلا ميركل» فى مارس 2017، وحين سألته عن أحوال المسيحيين فى مصر وهل يعانون من الاضطهاد، تحدث عن علاقة المسلمين والمسيحيين بوصفها علاقة محبةٍ وتاريخٍ مشترك وتعاونٍ اجتماعى ومصير مشترك، وأن المشاكل التى تنشأ من الفقر والجهل والازدحام لا تفرِّق بين مسلم ومسيحى، وعلى الأسرة المصرية مواجهتها معًا يدًا بيد، شعبًا ودولة. هنا تبرز الفلسفة الوطنية لهذا الرجل العظيم؛ فأن تحب وطنك لا يعنى أن تنكر أزماته، بل أن ترفض تحويل مشاكله إلى سلاحٍ فى يد خصومه يروم هدمه.

وفى عام 2016، حين تصاعدت الاعتداءات الطائفية فى «المنيا»، حذّر البابا من استغلال الأحداث لضرب الوحدة الوطنية، وقال إن هدف مرتكبى تلك الجرائم هو تدمير البلاد. تألم على شهداء شعبه، مثلما تألم ذووهم، لكنه حذرهم من أن يسمحوا للألم بأن يقودهم إلى الكراهية.

والحقُّ أن مواقفه الوطنية المشهودة، من العسير رصدها فى مقال. لهذا أكتفى، فى عيد ميلاده، بأن أتمنى لقداسته الصحة ودوام العطاء ونثر زهور المحبة. أحيّى فيه رجلًا لم ينسَ أن للكنيسة المصرية دورًا وطنيًّا مثلما لها دور روحى، وأن أجراسها لا تعلو على صوت الوطن، بل تنبض فى قلبه. وأدعو الله تعالى أن تكون المحبة فعلًا يوميًّا بين المصريين، لا عبارة نرددها فى المناسبات. فالمحبة ليست أن نتشابه، بل أن نختلف دون أن نهدم البيت الذى يجمعنا. وأن نعرف أن جرح جارنا ليس انتصارًا لنا، وأن حريق داره لا يضيء دارنا. نختلف فى صلواتنا، ونتحد فى مصيرنا.

مقامُ الشِّعر:

إذا استوطنَ الحبُّ القلوبَ، تهاوت على عتباتِها أسوارُ الطوائفِ، وصارَ الوطنُ محرابًا ومذبحا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البابا تواضروس كل سنة وأنت طيب البابا تواضروس كل سنة وأنت طيب



GMT 23:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

المجتمعات تتغير!

GMT 23:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 23:52 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 23:50 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 23:49 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 23:48 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أغلفة الكتب

GMT 23:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ذكرى العدوان الثلاثى!

GMT 23:46 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:43 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

مايك شوماخر يبقى مع بريما لموسم جديد في فورمولا-2

GMT 06:46 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

طريقة عمل طاجن أرز بالحليب والمكسرات

GMT 21:26 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 00:15 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

خلاصات الرسالة الملكية للرياضة 2

GMT 07:12 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

اكتشاف دلائل على أكل البشر بعضهم لبعض داخل كهف غامض

GMT 09:02 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

اختراق حسابات تويتر على فيسبوك وماسنجر

GMT 02:31 2018 الأربعاء ,09 أيار / مايو

آبل تستبدل بعض هواتف "iPhone X" التي تعاني من مشاكل

GMT 12:04 2017 الجمعة ,03 آذار/ مارس

عبد الرقيب فتح يكشف عن انتهاكات "الحوثيين"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates