السؤال الذي يطرحه كثير من المعلقين والباحثين غير المتخصصين في المنطقة اليوم هو: كيف تحولت جماعة صغيرة خرجت من جبال صعدة إلى ميليشيا تخريبية تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهدد طرق الملاحة الدولية والمدن والأعيان المدنية، وصولاً إلى التجرؤ على استهداف الحرمين الشريفين أقدس بقاع الدنيا وقبلة أكثر من مليار ونصف مسلم؟
هذا سؤال لا يمكن اختزاله في مقال، لكن الأهم في نظري سؤال آخر يتصل مباشرةً بما آلت إليه الأوضاع: مَن صنع هذه الميليشيا؟ أو بصورة أدق: مَن صنع البيئة التي أتاحت لها أن تنتقل من جماعة متمردة على سلطة الدولة إلى تهديد يمس الأمن والاقتصاد الدوليين؟
لا يمكن بالطبع اختزال الإجابة في سبب واحد. صحيح أن طهران لعبت دوراً مركزياً في تطور الميليشيا، ليس فقط عبر التسليح، وإنما من خلال نقل المعرفة العسكرية والتدريب وشبكات الإمداد، وبناء نموذج يجمع بين التنظيم العقائدي والميليشيا المسلحة والفاعل السياسي. وتشير تقارير أميركية إلى أن «فيلق القدس» استخدم هذا النموذج مع جماعات مختلفة في المنطقة، وإن بدرجات متفاوتة من الارتباط أو الاستقلالية حسب السياق والظروف المحيطة.
لكن إيران لم تصنع الحوثي من العدم، بل أسهم تآكل الدولة اليمنية والنخبة السياسية في خلق المناخ لتغوُّل الميليشيا خصوصاً مع مجتمع يمني واجه اضطرابات سياسية واقتصادية كبيرة منذ 2011 ومع فاعلين سياسيين متنافسين لم يتفقوا مذّاك على شكل الدولة التي يريدون بناءها، وهذه النقطة التي جرى تجاهلها وسط السرديات التبسيطية عن اليمن مما يتم الحديث عنه هذه الأيام، فما بعد الربيع العربي لم يكن مجرد انتقال مرتبك للسلطة، بل كان صراعاً حاداً بين قوى سياسية وعسكرية وقبلية على من يرث الدولة القديمة؛ دولة «المؤتمر». انشغلت الأطراف بتصفية الحسابات وإعادة توزيع النفوذ أكثر مما انشغلت ببناء المؤسسات، وتحولت وحدات من الجيش والقبائل والأحزاب ومراكز القوى إلى أدوات في سوق سياسية مفتوحة.
وفي تلك اللحظة تحديداً انتقل الحوثيون من الهامش إلى المركز. كنت قد كتبت مبكراً عام 2015 عن أن أزمة اليمن الحقيقية لم تكن في ظهور جماعة مسلحة جديدة فقط، بل في انهيار فكرة الدولة نفسها، وفي عودة القوى السياسية كلما ضعفت السلطة المركزية إلى الاحتماء بالقبيلة والمنطقة والهويات الفرعية. حين تغيب الدولة لا يبقى فراغ سياسي؛ هناك دائماً من يتقدم لملئه، وغالباً ما يكون الأكثر تنظيماً وتسليحاً، لا الأكثر تمثيلاً للمجتمع.
لكن العامل الأكثر أهمية لفهم ما نراه اليوم كان، في تقديري، الخطأ في تعريف الحوثية نفسها حيث ظل نظر جزء من المجتمع الدولي لسنوات طويلة إلى الميليشيا بوصفها تعبيراً مسلحاً عن مظلومية أو مكون محلي يمكن احتواؤه ضمن ترتيبات تقاسم السلطة. وهذا التفسير أغفل الآيديولوجيا السياسية التي أعاد حسين الحوثي إنتاجها وتثويرها منذ نهاية التسعينات فقط.
إذ إن حسين الحوثي نفسه دخل في خصومات فكرية بينما كان يبني خطاباً جديداً يمزج بين التعبئة الحركية التي عرفتها تيارات الإسلام السياسي، والقراءة الثورية للنص التي نجد بعض ملامحها عند سيد قطب، وبين المفردات والشعارات التي أنتجتها الثورة الخمينية وتجربة «حزب الله»، وهذا الجذر القطبي هو أيضاً ما يفسر حجم الانحياز للميليشيا من بعض رموز وأنصار الإسلام السياسي في بلدان عربية أخرى تحاول فيها تلك الأصوات استنساخ التجربة إلى واقعها.
اليوم يمكن القول إن ميليشيا الحوثي قد تجاوزت حتى ذلك المزيج الآيديولوجي، وتحولت بمرور الوقت إلى بنية عسكرية وسلالية مغلقة مهووسة بالسلطة ودفع أي ثمن للبقاء فيها مثل الإخوان المسلمين ولو من خلال الحوار مع إسرائيل، كما أنها تسعى لتجريف الهوية اليمنية العربية والإسلامية، وإعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق تصور يمنحها حقاً استثنائياً في الحكم والقوة القسرية.
هناك خطأ تاريخي في النظر إلى الميليشيا ما زال مهيمناً على المقاربة الدولية، بما فيها محاولات الحوار معها، وهو للأسف الأكثر تكلفة وتأثيراً على ما آلت إليه الأوضاع. هذا الخطأ يكمن في الافتراض بأن الميليشيا يمكن أن تتحول إلى حزب سياسي لمجرد دعوتها إلى طاولة المفاوضات.
ليس في التفاوض مع الجماعات المسلحة خطأ في ذاته؛ فمعظم الحروب تنتهي إلى طاولة ما. الخطأ أن يتحول التفاوض إلى بديل عن إعادة بناء الدولة، وأن يصبح وجود السلاح سبباً لمنح صاحبه حصة سياسية، بدلاً من أن يكون إخضاعه لسلطة الدولة جزءاً من أي تسوية.
والتسلسل الزمني كاشف. فقد أُنشئ نظام العقوبات الأممي الخاص باليمن عام 2014، في حين لم يُدرج الحوثيون بوصفهم كياناً تحت تدابير حظر السلاح الأممية إلا في فبراير (شباط) 2022، بعد سنوات من السيطرة على صنعاء والحرب والهجمات العابرة للحدود وتنامي القدرات الصاروخية والبحرية.
لم يكن العالم يفتقر إلى المعلومات بقدر ما كان متردداً في استخلاص النتيجة السياسية منها.
وقد رأينا المعضلة نفسها، وإنْ بصور مختلفة، في لبنان والعراق: تدخل الميليشيا في النظام السياسي، لكنَّها تُبقي السلاح خارج سلطة الدولة، ثم يتحول هذا الاستثناء المؤقت إلى واقع دائم على الجميع التكيف معه. أما في اليمن فكانت النتيجة أفدح؛ لأن الحوثيين لم يبنوا دولة داخل الدولة فقط، بل استولوا على جانب كبير من مؤسسات الدولة ومواردها ومخازنها العسكرية، ثم أعادوا توظيفها في مشروعهم.
ولهذا كانت التحذيرات السعودية المبكرة من التحول الحوثي تُقرأ أحياناً في الخارج بوصفها جزءاً من المنافسة السعودية - الإيرانية، فيما كان السؤال أعمق بكثير: ماذا يحدث عندما تسيطر جماعة عقائدية مسلحة على دولة تقع عند «باب المندب»؟
اليوم لم تعد الإجابة نظرية. فحين تستطيع جماعة من هذا النوع التأثير في حركة السفن والتأمين وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، فإن ما كان يوصف بأنه نزاع يمني داخلي يتحول بالضرورة إلى قضية أمن دولي.
ومن هنا يبدأ درس المستقبل.
المشكلة المقبلة قد لا تكون في ظهور «حوثي» آخر بالمعنى الحرفي، وإنما في اتساع البيئة التي تستطيع فيها الجماعات المسلحة تبادل المال والسلاح والخبرة والممرات. فخبرة «الحرس الثوري» تقوم أساساً على إدارة شبكة من الفاعلين المختلفين من دون ضرورة تحويلهم إلى تنظيم واحد؛ «حزب الله» ليس الحوثيين، والميليشيات العراقية ليست «حماس»، لكن اختلاف الخلفيات لا يمنع الالتقاء حين تتقاطع المصالح. وتوثق تقارير أميركية رسمية هذا النمط من الدعم لشبكة واسعة من الجماعات المسلحة في المنطقة.
وحتى الاختلاف العقائدي الحاد لا يشكل دائماً حاجزاً مطلقاً؛ فقد وثَّقت وزارة الخزانة الأميركية منذ 2011 وجود شبكة تابعة لـ«القاعدة» استخدمت الأراضي الإيرانية ممراً للأموال والأفراد بموجب ترتيبات قالت واشنطن إنها جرت بمعرفة السلطات الإيرانية. وهذا يختلف جذرياً عن علاقة طهران بـ«حزب الله» أو دعمها للحوثيين، لكنَّه يكشف عن أن عالم التنظيمات المسلحة تحكمه المصالح بقدر ما تحكمه العقائد.
ربما يدرك العالم، بعد أثمان باهظة، حقيقة كان يمكن إدراكها مبكراً: لا توجد دولة مستقرة تستطيع العيش طويلاً وفي داخلها جيشان، ولا توجد تسوية مستدامة تمنح جماعة سياسية حق الاحتفاظ بسيادتها العسكرية، ولا يمكن لنظام دولي يقوم على فكرة الدولة أن يتعايش بلا نهاية مع ميليشيات تتصرف كالدول من دون أن تتحمل مسؤولياتها.
ومع كل ما نراه في المشهد، فإن هذا الإدراك نفسه قد يكون بداية التحول. فالتحدي لم يعد يمنياً ولا سعودياً ولا حتى إقليمياً. إعادة الاعتبار للدولة، واحتكارها للسلاح، وتجفيف البيئات التي تنمو فيها الميليشيات، ستصبح على الأرجح جزءاً من مفهوم الأمن الدولي، لا مجرد شأن داخلي للدول الهشة.
لذلك حين نسأل: مَن صنع ميليشيا الحوثي؟ فلن تكون الإجابة: إيران وحدها، ولا انهيار الدولة اليمنية، ولا صراع نخبها، ولا أخطاء المجتمع الدولي منفردة. لقد تضافرت هذه العوامل جميعاً.
لكن الخطأ الذي سمح للمشكلة اليمنية بأن تصبح تهديداً دولياً كان، في تقديري، أبسط وأعمق في الوقت نفسه:
لقد تأخرنا كثيراً في فهم ما كنا نراه.