حرب الهويات والخوف الديموغرافي

حرب الهويات والخوف الديموغرافي

حرب الهويات والخوف الديموغرافي

 صوت الإمارات -

حرب الهويات والخوف الديموغرافي

بقلم : يوسف الديني

في حواره مع مجلة الـ«إيكونوميست»، أعادَ إيلون ماسك إثارةَ الجدل بشأن مواقفِه من الهجرة، والهُوِيَّةِ، والعرقِ، والأديان؛ بمَا فيها الإسلامُ، الذي ما زالَ يشكّلُ في الولايات المتحدة 1.3 في المائة، بحدود 4 ملايين ونصفِ المليون مسلم.

المفارقة أنَّ ماسك نفسَه مهاجرٌ جنوبُ أفريقيّ استقرَّ في الولاياتِ المتحدة وبنَى فيهَا إمبراطوريته الاقتصادية، بوصفهِ أحدَ نماذجِ الهجرة النَّاجحة صوبَ «الحلم الأميركي»، لكنَّه باتَ اليوم ممثلاً لأعلَى الأصواتِ تحذيراً من الهجرةِ الجماعية، ومن تراجعِ معدّلاتِ المواليدِ في المجتمعات الغربية.

هل ماسك صوتٌ نشاز؟ بالتأكيد لا، فالجدلُ بشأن الهُوية هو التحدي المقبل؛ ليس للولاياتِ المتحدة وأوروبا وحدَهما، بل للعالم كلّه، وهو اليوم في قلبِ مفهوم الدولة، لكنَّه في الجانبِ الغربي من العالم يأخذُ أشكالاً وجودية: من يملكُ تعريفَ الأمة والانتماء إليها؟ وهل يمكنُ للمجتمعات أن تحافظَ على هُويَّتها في ظلّ تحولاتٍ سكانيةٍ وثقافية متسارعة؟

مسألةُ الهُوية هي البوصلةُ التي يعودُ إليها معظمُ قضايا السياسة والأمن والاقتصاد، بل حتى الحروب ذاتها، رغمَ أنَّها تبدو لأول وهلة صراعاً على الموارد وتنافساً على المقدرات، لكنَّها في جوهرها حروبٌ على الذاكرة والانتماء والتاريخ والسياق الحضاري، وهو الأمرُ ذاته إذا تأملنا كثيراً من الحروب الأهلية والتحديات الداخلية في الدول التي أخفقت في ترسيخ مفهوم المواطنة لتحلَّ محله الانقسامات العرقية والطائفية والمذهبية.

الهجرة اليوم من أهم التحديات في العالم، حيث لا يُنظر إليها بصفتها نقطة التقاء بين الشعوب والحضارات، بل على أنَّها مصدرٌ للمخاوف وفقدان السيادة والقلق من تغير الثقافة والهوية، فضلاً عن التنافس على الوظائف والخدمات والموارد، وبالطبع التحديات الأمنية المرتبطة بالعنف والإرهاب. ولا شكَّ في أنَّ «الإسلام»، بالمعنى العام، يحتلُّ الصدارة في هذا النقاش، رغم أنَّه لا يشكل النسبة الكبرى بين المهاجرين، بقدر ما ينظر إليه وفق مفهوم الهُوية والثقافة الخاصة التي تصبغ المنتسبين إليه.

في أحدث بيانات «مركز بيو المختص» جاء أنَّ الإسلامَ أسرعُ الديانات الكبرى نمواً من الناحية السكانية. فقد بلغ عددُ المسلمين نحو ملياري نسمة عام 2020، أي 25.6 في المائة من سكان العالم، وازداد عددُهم خلال عقد بنحو 347 مليون نسمة، والأهمُّ أنَّ هذا النمو مرتبطٌ بأعمارٍ صغيرة نسبياً، وبارتفاعٍ في معدلات الولادات.

ويشكل عدد المهاجرين المسلمين حول العالم نحو 80 مليوناً، بما يعادل 29 في المائة من المهاجرين الدوليين. في أوروبا، يشكّل المسلمون نحو 6 في المائة من السكان. وتقدَّر سيناريوهات «مركز بيو المختص» أنَّ نسبتهم قد تبلغ بحلول عام 2050 نحو 7.4 في المائة حال توقفت الهجرة تماماً، و11.2 في المائة إذا استمرت الهجرة بوتيرتها المعتادة، ونحو 14 في المائة حال ارتفاع معدلات الهجرة.

لماذا تبدو حالة الهلع متصاعدة رغم أنَّ الأرقام لا تعكس وجود تهديد ديموغرافي؟ الجواب ببساطة هو الفشل في ملف الاندماج أولاً، وفي الاستثمار في الإسلام المعتدل، بدل المسارعة إلى تبني مفاهيم وسياسات ومقولات الإسلاموفوبيا، وتحويلها استراتيجياتٍ أمنيةً تزيد من العزلة، وبالتالي إنتاج القابلية للتطرف.

وما يقال عن أوروبا، التي تعيش التحدي الأكبر لمسألة الاندماج، يمكن أن يقالَ عن الولايات المتحدة الأميركية، حيث في أعلى التوقعات يمكن أن تبلغ نسبة المسلمين نحو 2.1 في المائة بحلول عام 2050، وهو رقم لا يشكل معضلة، فالخوف الأميركي من الهجرة مرتبط أشد بالحدود الجنوبية، والتحولات العرقية واللغوية، ومكانة «البيض» داخل المجتمع.

لكنَّ الإسلامَ يحظى بالتغطية والجدل؛ بسبب تحديات الاندماج وخلق هوية مواطنة لا تتعارض مع الديانة، وهي مهمة لا تُلقى على كاهل الحكومات والمؤسسات قدر المجتمعات المسلمة التي تعيش أيضاً معضلة الهوية داخل أوطانها الجديدة.

وهذه معضلة جديرةٌ بالتعاضد من أجلها ودراستها وتحويلها ملفاً عالمياً لا يحتمل الهروب إلى الأمام كما يفعل إيلون ماسك ومن هم على شاكلته، وهم في ازدياد، حين يقولون: نحن في عصر حروب الهُوية. وما يفعله ماسك وآخرون هو نقلُ القلقِ الديموغرافي من نقاشات التعصب اليميني إلى الفضاء الرقمي.

المشكلة ليست في انتشار الإسلام أو نسب المسلمين، وإنَّما في نوعية العلاقة التي تُبنى معهم وفق مفهوم المواطنة، فالهُوية لا تعمل في الفراغ. وأي مجتمعٍ يتخاذل عن بناء استراتيجيات دمج واضحة، سيكون البديلُ فيه هو البحثَ عن هويّات فرعية بديلة متطرفة تعمل ضد الهوية الوطنية الجامعة.

الاستثمار في الإسلام المعتدل؛ من بناء شراكات وعلاقات إيجابية مباشرة بالمجتمعات المسلمة، ودفعها باتّجاه احترام القانون وفهم الثقافة المحلية وتعلم اللغة والإسهام الاقتصادي، والقبول بقيم المواطنة، والقطيعة مع الهويات الفرعية المضادة لمنطق الدولة... لم يعد خياراً هامشياً، بل هو جزء أصيل من سياسات الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب الهويات والخوف الديموغرافي حرب الهويات والخوف الديموغرافي



GMT 23:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

المجتمعات تتغير!

GMT 23:54 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

البابا تواضروس... كل سنة وأنت طيب

GMT 23:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 23:52 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 23:50 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 23:49 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 23:48 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أغلفة الكتب

GMT 23:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ذكرى العدوان الثلاثى!

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:43 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

مايك شوماخر يبقى مع بريما لموسم جديد في فورمولا-2

GMT 06:46 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

طريقة عمل طاجن أرز بالحليب والمكسرات

GMT 21:26 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 00:15 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

خلاصات الرسالة الملكية للرياضة 2

GMT 07:12 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

اكتشاف دلائل على أكل البشر بعضهم لبعض داخل كهف غامض

GMT 09:02 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

اختراق حسابات تويتر على فيسبوك وماسنجر

GMT 02:31 2018 الأربعاء ,09 أيار / مايو

آبل تستبدل بعض هواتف "iPhone X" التي تعاني من مشاكل

GMT 12:04 2017 الجمعة ,03 آذار/ مارس

عبد الرقيب فتح يكشف عن انتهاكات "الحوثيين"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates