هل السلام مستحيل حقّاً

هل السلام مستحيل حقّاً؟

هل السلام مستحيل حقّاً؟

 صوت الإمارات -

هل السلام مستحيل حقّاً

بقلم :حازم صاغية

 

بين عمليّة «طوفان الأقصى» ويومنا الراهن، أنجزت بيئات متعاطفة مع «الطوفان» انتقالاً ملحوظاً: فبدل نبرة هجوميّة وانتصاريّة تؤكّد على «التحرير» و«النصر»، حلّت نبرة دفاعيّة مُتَدروِشة مفادها أنّه «يستحيل السلام مع إسرائيل». والقاسم المشترك بين النبرتين استبعاد السلام، وإمكانيّة السلام، في كلّ حين.

ومن دون أوهام، بات السلام في المنطقة صعباً جدّاً. وبعض صعوبته التأسيسيّة، إذا صحّ التعبير، تلك الهستيريا الأمنيّة في الدولة العبريّة، وهي النابعة جزئيّاً من تجربة المحرقة، وجزئيّاً من الشعور بالاستفراد الأقلّيّ في عالم عربيّ وإسلاميّ واسع. وعنصر كهذا إنّما يزكّي الخيارات السياسيّة الأسوأ: فإسرائيل، بسبب جنوحها الأمنيّ المَرَضيّ، مصابة بعقدة الأمن المطلق، وكلّ «مطلق» مانع للاندراج في «مغامرات» سلام لا تبدو مضمونة سلفاً، فيما كلُّ سلام بين طرفين مُتعاديين ينطوي على مغامرة. والحال أنّ تلك الخلفيّة إيّاها مصدرٌ لتعصّب صاحبها وربّما لاقتناعه بـ«ضرورة» الإمعان في إضعاف الآخر بما يقيه كلّ شرّ قد يصدر لاحقاً عن هذا الآخر.

وكان لشعار «تحرير فلسطين» التاريخيّ أن وفّر المدد لتلك الهستيريا الإسرائيليّة. فالشعار المذكور كفيل، لو كُتبت له الحياة، بإنجاز إبادة من صنف هيوليّ. على أنّ الشعار هذا وجد استئنافه في «الطوفان» نفسه وفي شعار «من النهر إلى البحر»، ونظريّة «وحدة الساحات» التي كانت حطباً يوقِد نيران الهستيريا الأمنيّة والاستفراد الأقلّيّ، خصوصاً وأنّ قوى «وحدة الساحات» تنكر الشرعيّة على وجود الدولة العبريّة نفسه.

فوق هذا فمصلحة إسرائيل في السلام أقلّ، بلا قياس، من مصلحة الفلسطينيّين. ذاك أنّها الطرف الذي يطالبه السلام بـ«التنازل» عن أراضٍ محتلّة، ما يفسّر مماطلاتها وتسويفها وتحايُلها. أمّا الفلسطينيّ، صاحب الحقّ من جهة، والضعيف من جهة أخرى، فهو المدعوّ إلى بذل كلّ جهد ممكن لجرّها إلى العمليّة السياسيّة. بيد أنّ الممانعات للسلام، وإجهاض مبادراته وخططه، كانت تتولّى خنق ذاك الجهد في مهده. وهكذا استحال الوصول إلى مرحلة تُخاض فيها معركة سياسيّة مع الدولة العبريّة، ويُفرض فيها امتحان جدّيّ عليها وعلى رغبتها في السلام.

ويعرف من عاش الستينات والسبعينات أنّ هتافات «لا للحلّ السلميّ لا» و«لا سلام ولا استسلام» كانت أكثر ما تصدح به حناجر المتظاهرين في المشرق، فيما جرت المماثلة بين تعبيري «تسوية» و«تصفية»، ولم ينج عبد الناصر نفسه من التخوين حين بدا أنّه ينحو نحو التسوية. وعلى رغم محاولات للتمييز أقدم عليها بعض المثقّفين اليساريّين والليبراليّين، احتفظت مماهاة «اليهوديّ» بـ«الصهيونيّ» بالصوت الأعلى.

وإسرائيل تتحوّل، منذ عقود، من موقع يمينيّ إلى آخر أشدّ يمينيّة، ما يواكبه تحوّل في تركيبها السكّانيّ يُضعف أصواتها الراغبة في السلام. غير أنّ الإضعاف الأكبر لـ«حركة السلام» نجم عن العمليّات الإرهابيّة التي شنّتها «حماس» وأخواتها في التسعينات إبّان حربها على اتّفاق أوسلو، مكمّلةً ما كان يفعله الاستيطانيّون والدينيّون الذين قتلوا رابين.

لكنْ بمعزل عن حالات التواطؤ الكثيرة من موقع التناقض، تحقّق السلام مع مصر منذ 1979 ومع الأردن منذ 1994. وهو، رغم كلّ شيء، يبقى سلاماً مستقرّاً. فإذا أضفنا بضع تجارب متفرّقة أمكننا استنتاج أنّ السلام ليس مستحيلاً، وأنّ الأطراف المعنيّة ليست بالضرورة جوهراً مغلقاً وثبوتيّاً أُحكم إيصاد أبوابه عن كلّ سلام. ويمكن تلمّس هذا الواقع في أحداث كثيرة كالانتقال من مدريد في 1991، حين رفض الإسرائيليّون التفاوض مع الفلسطينيّين بصفتهم هذه، إلى أوسلو في 1993، حين أُبرمت التسوية مع منظّمة التحرير، أو حين قُرّر مبدأ الانسحاب من طرف واحد من لبنان في 2000...

إلاّ أنّ من المصاعب الحاليّة التي تعترض السلام، وهذا ما لا يُشار إليه غالباً، أنّ الطرف الذي يقاتل إسرائيل يُهزم في حروبه على نحو يساهم في إضعاف الطلب على السلام، الذي يُفترض أن يقوم على شيء من التكافؤ، فيما يعزّز النزوع الإسرائيليّ إلى طلب الاستسلام. فالهزيمة التي حلّت بنتيجة «طوفان الأقصى» وضعت الإسرائيليّين على أبواب دمشق، وقبلها كانت حرب 67 قد حُسمت مع بلدان ثلاثة في ستّة أيّام، بحيث بات مطلوباً، من أجل التفاوض، شنّ «حرب استنزاف» في عهد عبد الناصر، ثمّ طرد الخبراء السوفيات في عهد السادات، من دون أن يكون هذان الجهد والتنازل كافيين. والحقيقة أنّ الميزة التفاضليّة لحرب أكتوبر/ تشرين الأول تكمن هنا بالضبط: فهي، مقروءة من زاوية السلوك الساداتيّ، كانت حرباً لتحريك السياسة ولإنهاء الحروب، أفضت إلى هزيمة تستوعبها السياسة، لا إلى هزيمة من النوع الذي يلغي الحاجة إلى السياسة، أقلّه من وجهة نظر المنتصر.

والكلام اليوم صعب عن السلام فيما إسرائيل تقتل وتبيد من دون أن تعبأ بأيّ سلام. لكنْ ما العمل في ظلّ استمرار وضع كهذا سوى المضيّ في طريق السعي إلى سلام ما، سلامٍ لا تخاض فيه، لا اليوم ولا غداً، حروب من صنف 67 أو «طوفان الأقصى».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل السلام مستحيل حقّاً هل السلام مستحيل حقّاً



GMT 23:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

المجتمعات تتغير!

GMT 23:54 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

البابا تواضروس... كل سنة وأنت طيب

GMT 23:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 23:52 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 23:50 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 23:49 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 23:48 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أغلفة الكتب

GMT 23:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ذكرى العدوان الثلاثى!

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030
 صوت الإمارات - الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الصين تقترب من شحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق

GMT 17:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 19:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 19:17 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 12:22 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تعاني من ظروف مخيّبة للآمال

GMT 04:24 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل العطور المناسبة للعروس الرقيقة

GMT 17:25 2024 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

أفضل المطاعم الرومانسية في مدينة جدة السعودية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates