لماذا كلّ هذا «التاريخ»

لماذا كلّ هذا «التاريخ»؟

لماذا كلّ هذا «التاريخ»؟

 صوت الإمارات -

لماذا كلّ هذا «التاريخ»

بقلم :حازم صاغية

تحكم السجالَ بين طرفين مختلفين مقدّماتٌ مشتركة ينطلق منها المتساجلان ويبنيان عليها قبل أن يفترقا. وفي الحالة التي نحن بصددها، يكون وجود البلد وحاضره بين تلك المقدّمات الضمنيّة. هكذا يدافع طرف عن اتّجاه سياسيّ واقتصاديّ، وعن تحالفات إقليمية أو دوليّة، يُفترض أن يتبنّاها ذاك البلد القائم ضمن حدود مسلّم بها، فيما يدافع الطرف الآخر عن اتّجاه وتحالفات مغايرة...

هذا كلام بديهيّ بطبيعة الحال، إلاّ أنّ غاية التذكير ببديهيّته تبيان مدى «اللابديهيّة» في أوضاع المشرق العربيّ، حيث ينطلق السجال من انعدام المقدّمات المشتركة، أو في أحسن الأحوال من ضعفها وهشاشتها. وحتّى حين تحظى تلك المقدّمات بنوع من الإقرار اللفظيّ، يتبيّن أنّ السجال ينطلق من مقدّمات أخرى ضمنيّة وغير مُفصَح عنها، أو أنّ المقدّمات المتّفق لفظيّاً عليها تملك تعريفين يكاد واحدهما لا يمتّ بصلة إلى الآخر.

ففي لبنان، مثلاً لا حصراً، هناك من يقول بـ»عروبة لبنان» مُسنداً إليها وعياً يتصدّره الصراع مع إسرائيل والالتزام بشروطه، فيما بات آخرون يقولون أيضاً بـ»عروبة لبنان» قاصدين بها العلاقات الاقتصاديّة العربيّة التي يرونها شرطاً لبحبوحته وازدهاره. وفي العراق، يعلن العراقيّون جميعاً أنّ العراق أولويّتهم، لكنّهم لا يلبثون أن يفترقوا حين يحدّدون من هم أصدقاء العراق ومن هم أعداؤه.

ومن علامات الاختلاف الشامل على المقدّمات هذا الانزياح المتعاظم الذي تعكسه السجالات نحو التاريخ، لا بوصفه حركة ووجهة، بل بوصفه ماضياً زمنيّاً مُختَرَعاً. فبحسب كثيرين، تقيم في الماضي أصول الأشياء التي تحكم التطوّرات اللاحقة، وهي أصول يراها عتاة الهويّاتيّين ثابتة وماهويّة لا تتغيّر. فمَن حكمَ عليه الماضي بسِمات ما، لا يمكنه في الحاضر، ناهيك عن المستقبل، أن يغدو شيئاً آخر. وهكذا يمسي الانزياح إلى التاريخ تأصيلاً للخلاف حول الحاضر يُكسبه جذوراً وهيكلاً عظميّاً.

فالتاريخ الذي استخدمه معظم الحركات القوميّة، ابتداء بالحركة القوميّة الألمانيّة، بوصفه أبرز مقوّمات وحدة الأمّة والشعب، هو نفسه الذي يُستخدم اليوم برهاناً على اختلاف غير قابل لأن يُرأب داخل هذين الأمّة والشعب. وعند التجميع كما عند التجزيء، يضاف الكثير من التاريخ المُختَرَع إلى القليل من التاريخ الفعليّ، مرّة للتدليل على حتميّة الوحدة ومرّة للتدليل على حتميّة الانفصال.

و»مؤرّخونا»، بالأصل، لم تجتمع الحقبتان والوجهتان فيهم. ذاك أنّ أولئك الذين رأوا في التاريخ أساساً للوحدة كانوا قوميّين عرباً، أبرزهم ساطع الحصري وميشيل عفلق، بينما المنشغلون بالجماعات ذهب جلّ اهتمامهم إلى جماعاتهم وما يُفترض أنّه تاريخها. هكذا هبّ دعاة التاريخ الأوّل في وجهة تخترع سلفاً مشتركاً يُفترض أن يتعرّف فيه البشر الأحياء إلى أنفسهم ويعملون على استعادته. لكنّهم هبّوا بعيداً من واقع البلد القائم، مهمومين بمفهوم آيديولوجيّ هو الوحدة العربيّة. وبدورهم أعلن دعاة التاريخ الثاني أنّ البلد القائم غلالة رقيقة مصطنعة تقيم تحتها مشاريع بلدان متوثّبة للقيام، مُظهّرين صفحات الحروب وصفحات التمايز بين الجماعات يوم لم تكن شعوباً وأمماً، ومُقدّمين الانفصال كأنّه استعادة للتاريخ الصائب.

وفي الحالات جميعاً فإنّ تاريخ الفصل والتجزئة كثيراً ما يتجانس مع ما تنتجه «الصحوات»، أكانت دينيّة أم طائفيّة أم إثنيّة، وهذه صاحية ومستنفَرة منذ عقود، كما يحضّ أحياناً على إعادة نظر بالأسماء، بحيث تتنافس «كوباني» و»عين عرب»، و»قامشلي» و»قامشلو»، و»جبل باشان» و»جبل الدروز» و»جبل العرب»... وبالطبع تستيقظ الأرقام والنسب المئويّة، وهي لم تنم مرّة، فتُوغل الجماعات الأقلّيّة، خصوصاً المسيحيّين، في حسابات الانخفاض المريع الذي شهدته أعدادهم، على مدى قرن، في بلدان المشرق جميعاً. وهذا ما يجعل مسألة «الذاكرة»، التي يكثر التنويه بها في أزمنة تُمحى فيها المعالم كزمننا، مسألة أشدّ تعقيداً من الشكل الذي غالباً ما تُطرح به. والذاكرة ليست واحداً موحّداً متّفقاً عليه بمعزل عن الصراع، بل هي مُلحقة به تنقسم تبعاً لانقسامه، إن لم يكن حيال وصف المحو والخراب فحيال تأويل الموصوف.

وهنا يكمن الانسداد الكبير الذي يجعل الحرب الأهليّة طريقة حياة لا حياة خارجها. فنحن انسحبنا، وننسحب، من الدولة إمّا لنُمركز التاريخ حول ما قبلها الذي لا عودة إليه، أو لنُمركزه حول ما بعدها الذي لا سبيل إليه.

وإذ يغدو الصراع، في جانب كبير منه، صراعاً على ذاك التاريخ، يفقد الكثير من الآراء السياسيّة وجاهته وفائدته. فما نفع أيّة حقيقة كتوكيد حصر السلاح في أيدي الدول، أو توكيد وحشيّة السلوك الإسرائيليّ، وما نفع تكرار تلك الحقائق مليون مرّة، حين يكون نفيها قد تصلّب وصار وظيفيّاً في تعزيز إحدى الروايتين للتاريخ؟ ذاك أنّه ما دام الخلاف القاطع في الماضي مطلوباً لتقوية الخلاف القاطع في الحاضر، صار الخلاف القاطع في الحاضر مطلوباً بوصفه، بين أمور أخرى، ما يرفع صدقيّة الخلاف القاطع في الماضي.

هنا نقف نحن، أمامنا الباب الموصد الذي لا يفتح إلاّ على نزاع نرعاه ونُديمه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا كلّ هذا «التاريخ» لماذا كلّ هذا «التاريخ»



GMT 23:55 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

سوريا بداية المشروع الجديد في الشرق الأوسط

GMT 23:54 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

سبتمبر بلا سجون

GMT 23:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

رُبع قرن على 11 سبتمبر

GMT 23:50 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

غير المفهوم في حروب الشرق الأوسط

GMT 23:49 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

11 سبتمبر... حتى لا ننسى

GMT 23:48 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

ساكسونيا ــ أنهالت... سقوط جدار ألمانيا الثاني

GMT 23:47 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

إصلاح التعليم لا السور

GMT 23:46 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

هل أسلم أنتوني كوين؟

النجمات العربيات يخطفن الأنظار بإطلالات تراثية في مهرجان فينيسيا

فينيسيا - صوت الإمارات
شهدت السجادة الحمراء لفعاليات مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ83 حضوراً لافتاً للنجمات والمشاهير العرب وأصحاب الأصول العربية، اللاتي تألقن بتصاميم جمعت بين الفخامة والعصرية إلى جانب الأزياء التراثية. وكان من أبرز الإطلالات ظهور المؤثرة مريم محمد بثوب فاخر مستوحى من التراث الإماراتي باللون الأسود المطرز بالخرز والشراشيب مع مجوهرات ذهبية تقليدية. بينما تألقت الإعلامية ريا أبي راشد بفستان أبيض مطرز، وآخر فضي بأسلوب الكاب، إلى جانب فستان عنابي بياقة كاشفة للأكتاف وشال طويل. كما ظهرت الفنانة يارا السكري بإطلالتين لافتتين؛ الأولى بفستان عاجي من الدانتيل وياقة من الفرو، والثانية بفستان أسود مطرز بالريش والخرز. وتألقت المؤثرة زينب البلوشي بفستان عاجي محدد للقوام، بينما اختارت المخرجة التونسية كوثر بن هنية فستان...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 20:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

روبيو يتعهد بـ"إعادة بناء" العلاقات مع كولومبيا
 صوت الإمارات - روبيو يتعهد بـ"إعادة بناء" العلاقات مع كولومبيا

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 22:02 2017 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

"Dar soltana" تقدّم تشكيلة واسعة من القفاطين الأتيقة

GMT 00:23 2019 الأربعاء ,06 شباط / فبراير

خطوات بسيطة لإزالة بقع الزيت من الملابس

GMT 13:09 2017 الإثنين ,16 كانون الثاني / يناير

ركوب الدراجات من أجمل الأنشطة لممارستها في إجازات عام 2017

GMT 17:14 2017 الجمعة ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

محطّات متنوّعة من معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

GMT 23:04 2021 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

ولي عهد الشارقة يترأس اجتماع المجلس التنفيذي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates