عدو الآثار 1

عدو الآثار (1)

عدو الآثار (1)

 صوت الإمارات -

عدو الآثار 1

بقلم: دكتور زاهي حواس

كنت حقيقة أتمنى أن يكون للآثار عدو واحد نعرفه كى نعرف كيف نحمى آثارنا منه!، لكن مع الأسف الشديد هناك أكثر من عدو يتربص بالآثار. ونحن هنا نتحدث عن التراث الأثرى فى أى مكان على الأرض ومن أى زمان كان، باعتبار أن الآثار جزء من الهوية الإنسانية، وهى بالتالى ليست مِلْكاً لبلد أو ناس بأعينهم، لكنها مِلْك للإنسانية كلها.

إن العدو الأول للآثار هو بلا شك الحروب. فقد أثبتت الحروب، عبر التاريخ الإنسانى، أنها أخطر أعداء الإنسانية وكل ما يرتبط بها ومن ضمنها التراث الأثرى للبشر. تدمر الحروب البشر، وتأتى على الأخضر واليابس، لكنها أيضاً تمحو حضارات وتدنس التاريخ بإزالة بصماته (الآثار)، فيصبح مجرد كلمات وتواريخ مكتوبة غير مرئية. إن ما حدث فى العراق جريمة مكتملة الفصول تركناها ووقفنا موقف المتفرج وهكذا فعل العالم كله بمنظماته المختصة كاليونسكو، ومحكمة العدل الدولية التى لم توجه حتى اللوم للمجرمين، وكانت النتيجة أن تكررت محاولات محو الذاكرة الإنسانية وتدمير كنوزنا الأثرية فى أنحاء أخرى من عالمنا العربى فيما يعرف بأحداث الربيع العربى!. لم يكن البشر وحدهم هم ضحايا الفوضى الخلاقة التى حاولوا الترويج لها وإقناعنا أن الديمقراطية ستولد من رحم فوضاهم الخلاقة، بل كانت الآثار أيضاً هى الضحية وهى ما دفع ثمناً غالياً لتلك الحروب المقيتة، التى أدت إلى تدمير مواقع أثرية بعضها مواقع تراث عالمى، ونهب آثار بشكل منظم ومتعمد، فى ظل غياب السلطة والقانون.

تعرضت سوريا إلى تدمير متعمد للعديد من مواقعها الأثرية، ومنها مواقع مسجلة على قائمة التراث العالمى، ولا يمكن تعويضها أو حتى تقييم حجم الخسارة لا لسبب سوى أن ما تم تدميره يوصف فى السجلات الرسمية بأنها آثار ومواقع أثرية لا يمكن تقييمها بالمال، حيث إنها أغلى من أن تُقيم بمال أو بذهب. لقد تم تدمير مدينة تدمر الأثرية الواقعة ضمن نطاق محافظة حمص السورية على بعد أكثر من 200 كم فى عمق الصحراء إلى الشمال الشرقى من دمشق. وتدمر موقع تراثى لا مثيل له فى العالم، وإلى الآن لا يُعرف على وجه الدقة حجم ما لحق بتدمر من دمار!. لقد قام الدواعش بأوامر مباشرة من أسيادهم بأعمال إجرامية لا نتحدث عنها، منها تفجير المعابد مثل معبد بل، ومعبد بعلشمين، وقوس النصر، وأسواق حلب التاريخية، وتدمير مئذنة الجامع الأموى، والجامع العمرى، وأجزاء من قلعة حلب الأثرية. وفى ظل غياب القانون والسلطة تعرضت المواقع الأثرية- سواء عن طريق الدواعش أو جماعات إرهابية ومرتزقة آخرين- للتنقيب العشوائى والنهب، وخرجت آلاف القطع الأثرية من سوريا لا نعرف عنها شيئا لتباع فى أسواق العاديات العالمية، خاصة فى أوروبا وأمريكا، ووجدت مَن يشترى هذه الآثار المنهوبة رغم معرفتهم أنها خرجت من بلد يعانى من الحرب والفوضى.

ولم يكتفِ الدواعش بمحو الآثار ونهبها والاتجار بها، بل قاموا بجريمة فى حق الإنسانية حين قطعوا رأس عالِم الآثار السورى الشهيد، خالد الأسعد، ذلك الرجل العظيم الذى رفض أن يكشف لهم عن أماكن الآثار النادرة. هذا العالِم يستحق أن يُخلد اسمه فى كل مكان لأنه مات دفاعًا عن التراث والحضارة. ومع ذلك، فمَن يذكره فى العالم العربى؟!. لا أحد!. هل تم تكريم اسم الشهيد فى جامعة الدول العربية؟. لا أعتقد، بل لم نسمع عن ذلك. الغريب أنه فى إيطاليا، على سبيل المثال، يُقام كل عام احتفال باسم الأثرى الشهيد، بينما فى عالمنا العربى لا نزال مشغولين بأشياء أخرى.

نعود بالزمن إلى العراق، التى شهدت مأساة إنسانية بكل المعانى، حيث لا يزال البلد الحضارى العظيم يعانى من ويلاتها إلى اليوم على الرغم من أن فصول المأساة بدأت فى عام 2003، بعد دخول الجيش الأمريكى وحلفائه إلى بغداد، وبعدها بساعات وليس أياما تم نهب المتحف الوطنى العراقى بالكامل تقريبًا. أكثر من 15 ألف قطعة أثرية نادرة نُهبت من المتحف. وصحيح أنه تم على مدار السنوات الماضية عودة بعض ما تم نهبه، إلا أنه لا يزال هناك آلاف القطع المنهوبة التى لم تتم استعادتها إلى اليوم. لقد تم محو مناطق أثرية لتعبيد ممرات هبوط للطائرات الحربية، وأخرى سُحقت بالدبابات. لقد كشفت صور الأقمار الصناعية عن جزء من حجم الدمار الذى تعرضت له آثار العراق. لكن لم يتصدَّ أحد!، ولم نرَ تفعيلا لقانون واحد من القوانين الدولية لحماية مناطق التراث الأثرى!، ولم يوجه اللوم إلى أحد!. وانتهت المصيبة عند حد القول: «شوية حجارة وراحت!»، بعدها أطلقت يد تنظيم داعش ليقوم بنشر العديد من مقاطع الفيديو التى يظهر فيها أبطاله وهم يحطمون الآثار والمتاحف، وكانت معاولهم ومتفجراتهم فى الحقيقة تقوم بمحاولة محو هويتنا ووجودنا. وتم تدمير مدينة نمرود الأثرية بالكامل تقريبًا، وهى المدينة التى تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. كما تم تدمير جامع النورى الكبير ومئذنته التاريخية المعروفة باسم الحدباء، التى يعود عمرها إلى نحو 850 عامًا. وتم أيضًا تفجير عدد من المراقد والمقامات التاريخية. ولا تزال آثار العراق تحتاج إلى مشروع إنقاذ كبير. حضارة بلاد النهرين ليست مِلْكاً للعراق وحده، بل هى جزء أساسى من تاريخ الإنسانية.

واليمن، الذى كان اليمن السعيد، لا يزال يعانى منذ عام 2014 من ويلات الحروب والدمار وغياب السيطرة الأمنية على المواقع الأثرية، مما أدى إلى تدمير مدن ومواقع أثرية. لقد تعرض المتحف الوطنى بمحافظة تعز إلى القصف والتخريب الممنهج، مما تسبب فى تدمير آثار نادرة، ونهب مئات المخطوطات النادرة والقطع الأثرية التى لا مثيل لها. حتى المنازل التاريخية ومواقع التراث العالمى لم تسلم من التدمير الممنهج.

وليبيا عانت بعد سقوط نظام معمر القذافى من الفوضى وغياب السلطة الأمنية على المواقع الأثرية، وانتشار المرتزقة بدعم من دول خارجية تبحث عن مصالح لها فى بلد غنى بموارده. وكانت النتيجة الحتمية تدمير ونهب المناطق الأثرية، ومنها مواقع يونانية ورومانية مهمة. وتحت دعوى نشر الإسلام الصحيح تم تفجير الأضرحة التاريخية فى طرابلس وبنغازى ومصراتة وغيرها من المدن الليبية. وبدأ الزحف العمرانى يلتهم المناطق الأثرية. وظهرت محاولات للبناء فوق مواقع أثرية، أو الاستيلاء على أراضٍ لها قيمة تاريخية. ومع غياب الرقابة، بدأت عمليات التنقيب غير المشروع، وخرجت قطع أثرية كثيرة من ليبيا إلى الأسواق العالمية. وللأسف الشديد، فإن عملية تهريب الآثار فى أوقات الفوضى تتم غالبًا عن طريق شبكات دولية تعرف كيف تصل إلى القطع المهمة، وكيف تبيعها فى المزادات العالمية أو للمجموعات الخاصة.

إن ما حدث فى سوريا والعراق واليمن وليبيا يؤكد أن الحروب بكل أشكالها وأنواعها هى العدو الأول للآثار. الحرب لا تقتل الإنسان فقط، بل تقتل الذاكرة أيضًا. وهى لا تدمر المبانى فقط، بل تدمر الهوية والحضارة والتاريخ.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عدو الآثار 1 عدو الآثار 1



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates