الشخصية الليبية مرة أخرى

الشخصية الليبية... مرة أخرى

الشخصية الليبية... مرة أخرى

 صوت الإمارات -

الشخصية الليبية مرة أخرى

بقلم : عبد الرحمن شلقم

 

الشاعر والكاتب الليبي عمر الكدي حمل ليبيا ثقلاً فكرياً وسياسياً، واشتبك مبكراً مع كل ما فيها. دقَّ بجبهة رأسه جبالها التي وُلد في أعماق كهوفها. غريان حاضرة الجبل الغربي، حيث عاش الناس ردحاً من الزمن في مغارات حفروها بفؤوس من حجارة. انتقل إلى مدينة طرابلس في مطلع شبابه، ودرس بمعهد الفنون والصنائع في العهد الملكي. معلمون ليبيون وإيطاليون يلقون دروساً في مجالات متنوعة. تنقل بين بريطانيا ومالطا لمواصلة دراسته التقنية. وطاف في أرجاء الوطن الليبي شرقاً وغرباً وجنوباً، كانت خطواته أينما تحرك، أسئلة تقرع باب الكهف الذي وُلد به، وحمله معه في صفحات سنوات عمره. الشعر كان الحادي الذي لا يصمت في مسارات الرحلة الطويلة. دخل دنيا الصحافة الليبية، في زمن عاصف ترتعش فيه الحروف والسطور تتلوى على ورق خجول. كتب الكدي في الصحافة بلغة بوح توكأت على منسأة التقية المراوغة، لكن يد النذير طرقت باب حساباته، فغادر الوطن لاجئاً إلى هولندا. تعلم لغتها وعمل في وسائل إعلامها، لكن وعثاء السفر الطويل في زعازع التفكير والتمرد، لم ترهق الحروف أو تكسر السطور. في قصيدة طويلة عنوانها «بلادُ تحبّها وتزدريك»، أدخل ليبيا إلى غرفة التشريح بمشرط الضمير الشاعر. مونولوغ ساخن يناغي الوطن قال لليبيا:

من أجلك نحتمل ألقابنا المتوحشة

وهذه الملامح المشاغبة

من أجلك نسطو عليك، ومن أجلك نموت

هكذا خاطب عمر الكدي ليبيا من على منبر شخصيتها المركبة، الراحلة في قافلتها عبر فيافي الزمان. في كتابه «تأملات في الشخصية الليبية» الذي يعلوه عنوان «حويتة وخميسة وقرين»، صبَّ عمر الكدي الناس والتاريخ والتراب في وعاء وطن تدافعت ساكنته وسط عواصف الجدب والفقر والترحال. الأسطورة كانت الزاد الذي لا ينفد، يتقاسمه الراحلون والساكنون.

الشخصية الوطنية وتكوين الهوية شغلا المؤرخين والباحثين في بلدان عدّة. تتبع نشاط الناس في حلّهم وترحالهم، وخيوط نسيجهم الاجتماعي، وأنماط إنتاجهم الاقتصادي وبنية ثقافتهم، هي المناجم المكونة التي يحفر فيها دارسو الشخصية الوطنية. في ليبيا لم يكن للشخصية الوطنية حضور في البحوث الاجتماعية، والدراسات الفكرية. الموجة القومية العربية التي اندفعت من مصر في أواخر خمسينات القرن الماضي، اجتاحت الوطن الليبي بقوة، وذاب الوجدان الليبي العام في الشعارات العروبية المتدفقة. رئيس وزراء ليبي شاب محامٍ ومثقف شاعر، عبد الحميد البكوش ترأس الحكومة الليبية سنتي 1967 - 1968، أطلق صرخة أعطاها اسم الشخصية الليبية. هبَّ مثقفون وكتاب بارزون من مختلف أنحاء البلاد ينافحون عما أطلقه عبد الحميد البكوش. لكن التيار القومي العربي ردَّ بعنف على هذا التوجه، وعدّه مؤامرة رجعية ضد الهوية العربية للشعب الليبي.

في كتابه الذي صدر حديثاً، بدأ عمر الكدي بمقدمة جاء فيها: «ما من أمة نهضت من كبوتها ومن سباتها الطويل، إلا وعادت أولاً إلى جذورها في رحلة ليست لها علاقة بالحنين المريض، وإنما رحلة قاسية ومؤلمة. رحلة نقدية تتفحص فيها الجذور، وتستأصل الجينات المعطوبة، التي تسبب في هذا السبات العميق والطويل».

حفر الكتاب في الجذور، وقرأ ما راكمته الأيام في أعماق النفوس، ورسمته على امتداد الأرض. أنماط الإنتاج والفن وتقسيم العمل بين الرجال والنساء، والتكوين القبلي وتحالفاته في السلم والحرب. الأولياء الصالحون وسطوة حضورهم العابر للمكان والزمان. المطبخ الليبي المتنوع، وكذلك الملابس الموروثة من القرون الرومانية. منظومة القيم التي شكَّلت الضمير الاجتماعي العام، وكذلك حركة الوقت بحسابات أبدعتها البيئة.

الأسطورة الليبية الثلاثية، التي لم تغب عن التكوين القديم، وبقيت تفعل فعلها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً على مر التاريخ، هي الحويتة أي تصغير الحوتة وهي السمكة، والخميسة تصغير الرقم خمسة، والقرين تصغير القرن. الأولى رمز سكان السواحل، والثانية رمز لسكان الجنوب، والثالثة رمز لسكان الوسط وتخوم الصحراء. يستشهد الكاتب بالأسماء الثلاثية للمدن، وكذلك الأقاليم والولايات قبل توحيد الدولة في العهد الملكي، وكذلك الأسماء الثلاثة التي حملتها الدولة الليبية من المملكة إلى الجمهورية ثم الجماهيرية. العلاقة بين المدينة والقرية والواحة، وبين البدو والحضر والتفاعل بين هذه التكوينات. وضع الكاتب ليبيا بماضيها وتكوينها البعيد والقريب، في معمل الأنطولوجيا الكبير ورحل بنا في خيوط النسيج الاجتماعي، بكل ما رسمته عليه الجغرافيا، وما ألقته عليه عاديات السنين من ألوان. خلاصة هذا العمل، أن الوطن تربة تزرع فيها بذور البشر تسقيها الحركة الاجتماعية بكل ما فيها من نشاط اقتصادي، وتدافع سلمي أو عنيف. ليبيا عبرت عصوراً متنوعة، أمامها البحر الأبيض المتوسط ووراءها الصحراء الكبرى. استهدفتها جيوش الشمال وكانت جزءاً من إمبراطوريات، وعبرت بقوافلها الصحراء الكبرى في تجارة بيع وشراء. قال الكاتب عبر صفحات كتابه: «هكذا أصبح الليبيون ليبيين».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشخصية الليبية مرة أخرى الشخصية الليبية مرة أخرى



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates