وثيقة ترمب الأمنية الانكفاء إلى الداخل

وثيقة ترمب الأمنية... الانكفاء إلى الداخل

وثيقة ترمب الأمنية... الانكفاء إلى الداخل

 صوت الإمارات -

وثيقة ترمب الأمنية الانكفاء إلى الداخل

بقلم : يوسف الديني

مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، نشأ جدل واسع في مراكز الأبحاث وخزانات التفكير المتخصصة حول الاستراتيجية الأميركية الجديدة لمكافحة الإرهاب، وهي استراتيجية تضمنت مفاجأة من العيار الثقيل: خسرت التنظيمات الجهادية المسلحة الصدارة وصعدت عصابات المخدرات «الكارتلات» إلى مقدمة قائمة التهديدات، فأصبحت شبكات تهريب المخدرات تهديداً إرهابياً يفوق خطورته التنظيمات المسلحة. غير أن اللافت الحقيقي هو الربط بين الجريمة المنظمة وملف الهجرة غير الشرعية في رؤية أمنية متكاملة، فضلاً عن توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل ما وصفته الوثيقة بـ«اليسار العنيف» والجماعات الفوضوية والراديكالية في الداخل الأميركي.

على المستوى النظري، تنتمي هذه الاستراتيجية إلى ما يسميه الباحث الأميركي باري بوزان «أمننة الداخل»؛ أي تحويل قضايا اجتماعية وسياسية كالهجرة والهوية الثقافية إلى تهديدات أمنية وجودية تستوجب استجابة استثنائية. وهذا تحول جذري عن الاستراتيجيات الأميركية المتعاقبة؛ فاستراتيجية بوش الابن بعد سبتمبر قامت على نظرية «الدومينو الإرهابي» - أي أن هزيمة الإرهاب في أفغانستان والعراق ستمنع وصوله إلى نيويورك وواشنطن، وهو رهان أثبت التاريخ هشاشته.

أوباما جاء بمقاربة مختلفة تجمع بين الضربات الخاطفة التي وصفت بالتدخلات الخارجية والانخراط الدبلوماسي وبرامج مكافحة التطرف، لكنها بقيت محكومة بفكرة أن الإرهاب ظاهرة عالمية تستوجب معالجة عالمية. أما بايدن فقد حاول الموازنة بين الانسحاب العسكري والحفاظ على الفاعلية الاستخباراتية إلا أن انحسابه الكبير الفوضوي من أفغانستان أفقد الاستراتيجية مصداقيتها.

وثيقة ترمب تقوم على فرضية مغايرة تماماً: الإرهاب الذي لا يهدد الداخل الأميركي مباشرة هو شأن الدول التي ينشط فيها ولا علاقة لواشنطن به، كما تنصّ الاستراتيجية التي نُشرت قبل أيام بوضوح على تراجع كبير في الاهتمام الأميركي بملف الإرهاب العالمي لصالح التركيز على الداخل، وهو الانتقال من الحرب العالمية على الإرهاب إلى حرب حماية الأراضي الأميركية؛ والغريب أن تسبيب الوثيقة لهذا التحول جاء من زاوية النفط حيث تزعم بأن الاعتماد الأميركي على نفط الخليج والشرق الأوسط لم يعد مركزياً في استقرار الاقتصاد الأميركي مقارنة بالعقود السابقة. ومن هنا فإن التركيز سينصبّ على الضربات المحدودة والسريعة والعمليات الاستخباراتية والسيبرانية مع التخلي التام عن مشاريع التحول السياسي والديمقراطي التي استنزفت تريليونات الدولارات دون عائد استراتيجي واضح.

على مستوى التنظيمات، لا تزال «القاعدة» و«داعش» تتربعان على عرش مؤشر الخطر في التهديدات القادرة على تنفيذ عمليات خارجية ضد المصالح الأميركية؛ لكن الاستراتيجية نصّت أيضاً على تحول بالغ الأهمية: تنتقل واشنطن فيه من مشروع القضاء الشامل على الإرهاب إلى إدارة التهديدات الأكثر تأثيراً على داخلها.

ومع أن الوثيقة تقرّ بأنَّ أفريقيا باتت الحديقة الخلفية الأخطر لعودة التنظيمات الجهادية بعد انهيار مشروع الخلافة في العراق وسوريا، حيث يتم استبدال مناطق التوتر القديمة بغرب أفريقيا والصومال وبحيرة تشاد، إلا أن واشنطن وفقاً للوثيقة وبعبارة صريحة لا مواربة فيها: لا تفكر أبداً في الدخول فيما وصفته بالحروب الأبدية، وأنها يمكن أن تكتفي بشراكات أمنية بسيطة في مقابل أن يرمى العبء الأكبر على الدول المحلية والحلفاء.

حالة النضج الحقيقية في الوثيقة تتجلى في التخلي عن القناعات الساذجة تجاه جذور الإرهاب، والإشارة بأصبع الاتهام إلى الإسلام السياسي، خصوصاً «الإخوان المسلمين» التي اعتبرتها الوثيقة البنية الفكرية المنتجة للعنف المنتسب إلى الإسلام، وهو موقف يتقاطع مع ما طالما طرحته دول الخليج ومصر منذ سنوات قبل أن تصل واشنطن إلى هذه القناعة. ومن هنا تربط الوثيقة بين «الإخوان» ومعظم التنظيمات الجهادية الحديثة، ما يعني توسيع الجانب الفكري والآيديولوجي دون الاقتصار على الجانب التنفيذي المسلح.

هنا لغة مختلفة ومثيرة للاهتمام في الوثيقة التي تتحدث عن حماية الحضارة الغربية والقيم الأميركية المهددة، وهو ما سيثير قلقاً حقيقياً لدى الحلفاء الأوروبيين؛ إذ يرى كثير من المحللين في برلين وباريس ولندن أن هذه الصياغة تُضعف منظومة التنسيق الاستخباراتي المشترك وتدفع نحو أمننة ثقافية خطرة تُعمّق الانقسامات المجتمعية بدلاً من تجفيف منابع التطرف.

التحدي الأكبر الذي تطرحه هذه الاستراتيجية هو على آليات التنفيذ في السنوات المتبقية من إدارة ترمب، لكن تأثيرها الهائل سيكون على العالم ذلك أن تراجع الانخراط الأميركي سيترك فراغاً أمنياً كبيراً سيكون بيئة خصبة لاستثماره من قبل التنظيمات المسلحة بعد أن تُعيد قراءة الخريطة الجديدة لأولويات واشنطن. دول المنطقة، وخصوصاً في الشرق الأوسط والخليج وشمال أفريقيا، ستجد نفسها أمام معادلة أمنية صعبة تستوجب بناء قدرات ذاتية واستراتيجيات إقليمية مستقلة.

هذه الوثيقة ليست مجرد وثيقة أمنية، إنها دعوة صريحة لإعادة توزيع أعباء حرب طويلة مفتوحة في توقيت صعب، ينتظر تحالفات دولية قادرة على حمل الراية المواجهة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وثيقة ترمب الأمنية الانكفاء إلى الداخل وثيقة ترمب الأمنية الانكفاء إلى الداخل



GMT 23:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

المجتمعات تتغير!

GMT 23:54 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

البابا تواضروس... كل سنة وأنت طيب

GMT 23:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 23:52 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 23:50 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 23:49 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 23:48 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أغلفة الكتب

GMT 23:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ذكرى العدوان الثلاثى!

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:43 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

مايك شوماخر يبقى مع بريما لموسم جديد في فورمولا-2

GMT 06:46 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

طريقة عمل طاجن أرز بالحليب والمكسرات

GMT 21:26 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 00:15 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

خلاصات الرسالة الملكية للرياضة 2

GMT 07:12 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

اكتشاف دلائل على أكل البشر بعضهم لبعض داخل كهف غامض

GMT 09:02 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

اختراق حسابات تويتر على فيسبوك وماسنجر

GMT 02:31 2018 الأربعاء ,09 أيار / مايو

آبل تستبدل بعض هواتف "iPhone X" التي تعاني من مشاكل

GMT 12:04 2017 الجمعة ,03 آذار/ مارس

عبد الرقيب فتح يكشف عن انتهاكات "الحوثيين"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates