بقلم: عمرو الشوبكي
كما للنظم العربية أخطاؤها وعيوبها، فإن لكثير من قوى المعارضة أيضا أخطاءها، وكما للاحتلال جرائمه فإن لتنظيمات المقاومة أيضا أخطاءها، وتبقى التجربة العربية الوحيدة التى عرفت نقدا ذاتيا ومراجعة نقدية هى تجربة عبد الناصر عقب هزيمة ٦٧، وبعدها شهد العالم العربى أخطاء وخطايا، وانكسارات وهزائم، ومع ذلك لم يقدم أحد على تقديم أى نقد ذاتى أو اعتراف بالمسؤولية والخطأ.
وتمثل تجربة حزب الله صورة حية لمشروع عقائدى وسياسى تعرض لانكسارات كثيرة، وخلفت خياراته آلاف الضحايا ودمرت أجزاء كبيرة من الجنوب اللبنانى والضاحية الجنوبية ومع ذلك ظل يردد نفس الكلام، ويعتبر نفسه منتصرا، ويستمر فى خياراته السياسية، مدافعا عن حرب «إسناد إيران» مهما كان ضررها بلبنان.
لقد عمل حزب الله على حشد الساحة الشيعية خلف خياراته الأيديولوجية وعلى احتكار تمثيلها، وتصوير الأمر كأن هناك «طائفة تقاوم» فى مواجهة طوائف أخرى «متخاذلة» وحاول فرض سردية «مقاومة» على مجتمع متنوع لا يمكن أن يجمع على وجود تنظيم مسلح مواز للجيش ويدخل فى حرب ضد دولة احتلال عدوانية من أجل التضامن مع دولة أخرى وهى إيران، ويعتبر من يختلف مع توجهاته ينفذ الأوامر الأمريكية والإسرائيلية.
إن تصور حزب الله أن حاضنته الشعبية يجب بالحتم والضرورة أن تكون مع الدخول فى حرب ضد إسرائيل لصالح إيران أو حتى لصالح المقاومة والقضية الفلسطينية أمر يجب مراجعته، لأنه خارج الفطرة السليمة التى لا يمكن أن تختزل بلدا أو طائفة أو دينا خلف خيار عقائدى وسياسى محدد مهما كانت طبيعته ومهما كان نبله، وإن هذه الإشكالية ستظل أحد أسباب الانسداد السياسى الحالى فى لبنان ليس من زاوية وجود طرف يؤيد التفاوض مع إسرائيل ويرى أن ليس هناك بديل للاتفاق الإطارى، أوهناك من يعارضه، إنما لأن نقاط الضعف الموجودة فى الاتفاق الإطارى، وهى كثيرة، يتحمل حزب الله مسؤوليتها بالحروب التى دخلها ورفضها أغلب اللبنانيين، وأضعفت من موقف الحكومة اللبنانية فى أى تفاوض.
لم يعترف حزب الله بمسؤوليته عن الدمار الذى أصاب قرى ومناطق الجنوب والضاحية، ولم يقل بشجاعة نعم أخطأنا فى حساباتنا وسنراجع وجودنا المسلح واعتمادنا خيار المقاومة المسلحة وسنسعى لوضع الحزب الله فى مساحة جديدة ليصبح عنصرا داعما لمشروع المقاومة المدنية وفضح الجرائم الإسرائيلية بأدوات جديدة قانونية وشعبية، وأن تكون علاقته بإيران علاقة تحالف سياسى وليس علاقة تحالف عسكرى لأنه يعيش فى بلد اسمه لبنان وبجانبه شركاء فى الوطن لا يجب أن يستمر فى تجاهلهم وعدم احترام خياراتهم.
لقد بات مطلوبا من تنظيمات المقاومة فى العالم العربى وعلى رأسها حزب الله وحركة حماس، الإقدام بشجاعة على تقديم مراجعة نقدية لتجربتهم والاعتراف بأخطاء كثيرة وقعوا فيها لصالح شعوبهم ولا أحد آخر.