بقلم:حنا صالح
أغلب الظن أن «حزب الله» لم ولن يندم على ما فعله بلبنان من آثام، توَّجها بنكبة أنزلها ببيئته، يلمس المواطن اليوم بداياتها التي تفوق القدرة على الاستيعاب. ما هو ملموس من ارتكاباته لا يعدو خروجاً على المشروع الذي ارتبط به تأسيسه ووجوده والاستثمار الإيراني فيه. فعندما وصفه آية الله محتشمي، الذي كانت الولادة على يديه، بأنه «جزء من مؤسسات إيران الأمنية والعسكرية» فإنه خلال العقدين الأخيرين لبَّى متطلبات هذا «التكليف» خدمة لأطماع نظام الملالي، وفي الوقت عينه بهدف إنضاج ظروف قيام لبنان مغاير لكل ما عاشه ويعرفه أهله، وهو أمر تطلَّب عزل البلد الصغير، وفك كل أواصر علاقاته بأشقائه وأصدقائه.
فغداة حرب يوليو (تموز) 2006 الكارثية، أعلن حسن نصر الله يوم 18 ديسمبر (كانون الأول) 2006: «إن رغبة (حزب الله) هي إقامة جمهورية إسلامية يوماً» كجزء من دولة ولاية الفقيه، فـ«إقامة حكومة إسلامية هي الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار»، حتى «في مجتمع متكون من أقليات متعددة»!
يوم 2 مارس (آذار) الماضي، إثر إطلاق الحزب صواريخ، توقف مجلس الوزراء أمام السؤال المفتاح: كيف يمكن أن تقوم الدولة المكتملة السلطة والسيادة في ظلِّ تنظيم مسلح يقوده أناس، هو جزء من منظومة عسكرية إقليمية، ارتبط وجوده بخدمة أهدافها ومشروعها التوسعي؟ ووصف رئيس الجمهورية إطلاق الصواريخ بأنه لم يكن «دفاعاً عن لبنان، ولا حماية للِّبنانيين»، محذراً من أن هذا الحدث «منح الذريعة لإسرائيل لتدمير ما تبقَّى قائماً». وأعلن رئيس الحكومة قرار مجلس الوزراء بـ«الحظر الفوري لنشاطات (حزب الله) الأمنية والعسكرية بوصفها خارجة عن القانون».
استُتبع هذا القرار بآخر، أسقط الشرعية عن أعدادٍ من «الحرس الثوري»، وُجدوا في لبنان بجوازات مزورة، استهدفوا قبرص، ويتولون العمليات العسكرية، وطلب القرار توقيفهم لترحيلهم. وأُعيد التمسك بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، على قاعدة رفض زجِّ لبنان في الحرب الإسرائيلية- الإيرانية؛ حيث يقضم الأول الأرض لفرض إملاءاته، ويحاول الثاني توظيف البلد في خدمة مصالحه. أكدت هذه القرارات رفض جعل لبنان ساحة لحرب الآخرين: العدو الإسرائيلي يحتل ويحوِّل القرى إلى ركام وغبار، في مخطط آثم يعيد رسم العلاقة بين الأرض وأهلها، والإيراني «يشاغل» عبر فيلقه اللبناني المسمَّن بأعداد من مرتزقة «الحرس الثوري»، ومع تأكيد أن للدولة اللبنانية حقاً حصرياً في أن تفاوض لمنع تفاقم الهزيمة، ووقف هدر دماء المواطنين، فأسقطت الادعاء بـ«حق» مزعومٍ للدويلة في التفاوض، استند إلى تواطؤ مع السلاح اللاشرعي!
حساب النتائج مروع، فقد كانت هناك بعد كارثة «إسناد» غزة 5 نقاطٍ محتلَّة، ومع انتصاف الشهر الثالث على الحرب على لبنان يحتل العدو الإسرائيلي مباشرة نحو 10 في المائة من مساحة لبنان، ضمنها 70 بلدة وقرية في الجنوب، ويسيطر بالنار على مثلها في عمق يصل إلى نحو 40 كيلومتراً. واللافت أن العدو الإسرائيلي قاتل 20 شهراً للاستيلاء على قطاع غزة، ومساحته 365 كيلومتراً مربعاً، بينما احتل أكثر من 900 كيلومتر مربع من جنوب لبنان في أقل من 40 يوماً، ما أدى إلى الاقتلاع القسري لنحو مليون ومائتي ألف إنسان.
مخيف هو عداد الضحايا الذي لامس 25 ألفاً منذ «إسناد» غزة، وأكثر من 30 ألف جريح. بينهم ضحايا «الفيلق اللبناني» وهم وفق «الأخبار» 5 آلاف في حرب «الإسناد» الأولى، و10 آلاف جريح، و500 خلال وقف النار و3 آلاف جريح، وأكثر من ألفين في «الإسناد» الثانية، ونحو 5 آلاف جريح، والمفجع أكثر مقتل فتية أعمارهم بين 14 و16 سنة، ما يؤكد انعدام كل قيمة للأرواح، ويتأكد أن لا أولوية تفوق خدمة المصالح الإيرانية!
وفي حساب النتائج، هناك إبادة عمرانية وحرب هدفها محو الذاكرة. لقد تم تدمير شروط العيش. مُسحت البلدات وصارت عدماً. لا شيء إلا الركام، لا معالم، لا طرقات، لا كهرباء، لا مياه، لا حقول ولا ماشية، فقد انتهت الدورة الاقتصادية. وفي مسح عشرات البلدات عن الخريطة يزيل العدو الإسرائيلي ما يربط الانتماء إلى هذه البلدات. يمسح ذاكرة تاريخية لعمارة تراثية تعود إلى الحقبة العثمانية، وأسواق حفظت التراث، وساحات ومساجد ومقابر صارت عدماً. كانت الأعمار معلَّقة على جدران المنازل فباتت رماداً. ويسأل الناس: هل سنعود؟ وإن عدنا فماذا سنجد؟ هل سنتعرف إلى المكان؟ الأسئلة كثيرة، مع الخوف من معالم إعادة هندسة جغرافية وسكانية.
تصف الكاتبة هناء جابر الإبادة العمرانية بأنها «تقوِّض العلاقة مع الأرض». هناك هدم مبرمج يخلق فراغاً يفتح باب سيطرة تعيد تعريف المكان. وكل يوم تستمر فيه الحرب على لبنان، مع إعلان «حزب السلاح» عدم تمسكه بالأرض، تتفاقم الهزيمة، ويتسع العدم الذي يتحضر متطرفو العدو لملئه!
في 14 و15 الجاري، تنعقد جولة مفاوضات مهمة في واشنطن. الطريق شاق، والهدف الأبرز للبنان وقف هدر الدماء وحماية المتبقي من عمران. وقف الاعتداءات، والانسحاب، واستعادة الأسرى، والعودة، وحفظ الحدود. عناوين معطوفة على التمسك بالقرارات الدولية، واتفاق «الهدنة بلس»، أي الخروج نهائياً من حالة الحرب، بالذهاب «لاتفاق أمني يُستكمل باتفاق سلام تحت المبادرة العربية للسلام» وفق ما أكده الرئيس نواف سلام. هنا يرتدي النجاح على الأرض بجعل «بيروت آمنة خالية من السلاح» أولوية مطلقة في تعزيز أوراق المفاوض اللبناني، وإلَّا «لات ساعة مندم»!