حال العالم بين صلعة ولحية

حال العالم بين صلعة ولحية

حال العالم بين صلعة ولحية

 صوت الإمارات -

حال العالم بين صلعة ولحية

بقلم - سليمان جودة

حدث في 11 فبراير (شباط) من السنة الماضية، أن استقبل مستشفى سمالوط العام في محافظة المنيا جنوب القاهرة مولودة جديدة، وكان اسم المولودة ياسمين رمضان محفوظ.
وقد اشتهرت هذه المولودة وقتها كما لم تشتهر مولودة قبلها، وكان السبب أن سكان مصر وصلوا بولادتها إلى 100 مليون إنسان، وكان مجيئها إلى الدنيا كأنه جرس إنذار، وكان سبب الإنذار أن الحكومة ترى مواردها أقل من أن تستطيع مواجهة حاجات المائة مليون.
وفي هذه السنة تكررت حكاية ياسمين، ولكن على نطاق أوسع بكثير، هو نطاق العالم كله على امتداده، وكان ذلك عندما جاءت مولودة فلبينية إلى الدنيا اسمها فينيس.
كانت أم فينيس تحمل اسم مارجريت، ولم تكن تعرف أن العالم سيكون على موعد مع ابنتها، بالضبط كما كان المصريون على موعد مع ياسمين، فلقد اكتمل سكان العالم بوصول فينيس 8 مليارات إنسان، وفي عام 2011 كان سكان العالم سبعة مليارات.
ومع وصول سكان الكوكب إلى هذا الرقم تجدد الكلام عن العدد المتزايد، وعمّا إذا كانت موارد الأرض كافية لمواجهة حاجات هذا العدد، أم أن نظرية توماس مالتوس لا تزال صحيحة؟!
كان مالتوس من أساتذة الاقتصاد الإنجليز، وكان تقديره أن معدل زيادة السكان أسرع بكثير من معدل الزيادة في الغذاء عالمياً، وكان يقول إن المعدل الأول اسمه المتوالية الهندسية، وإن الثاني متوالية عددية، وإن سرعة الأول أضعاف أضعاف الثاني، وإن هذا يؤدي في النهاية إلى أن يواجه العالم مشكلة في توفير غذاء الكثيرين من سكانه، وإن الطبيعة هي التي تتدخل لحل هذا الإشكال.
والمشكلة أنَّ تدخُّل الطبيعة الذي رآه يأتي عنيفاً في العادة، لأنه يتم من خلال الأمراض والحروب والأوبئة، التي تضرب العالم كلما زاد عدد سكانه بوتيرة أسرع مما تزيد بها موارده في الغذاء بالذات. ولم تكن نظرية مالتوس قرآناً مقدساً، ومع ذلك آمن بها كثيرون بقوة، ولا يزال هؤلاء الكثيرون يرددون نظريته ويعودون إليها، كلما كان العالم على موعد مع تعداد سكاني جديد.
وفي أيام فيروس «كورونا»، خصوصاً في عز ذروته، كانت هذه النظرية الإنجليزية حاضرة بقوة، وكان الذين يعتقدون في صحة نظرية مالتوس يلوذون بها في تفسير ما كان يحدث، وكان الوباء كلما دخل مرحلة جديدة من مراحل تطوره، انتعش الحديث عن النظرية، وعن أن صاحبها كان على حق، وعن أن ما يتواتر من أنباء عن تصنيع الفيروس في مختبر إنما يدل على أن مالتوس كان بعيد النظر.
وكان اختفاء «كورونا» فجأة، بمثل ما ظهر فجأة، مما يقوي حديث نظرية المتواليتين ويدعمها، وكان هذا الحديث يجد الكثيرين الذين يصدقونه، ولا يزال.
كان رأي الأستاذ الإنجليزي الشهير هو رأي العلم بشكل أو بآخر، وإذا شئنا الدقة قلنا إنه كان رأي علم الاقتصاد على وجه الخصوص، لأن صاحب النظرية هو واحد من أبناء هذا العلم في التقييم الأخير، ولكنَّ هذا لا يعني أنه الرأي الذي يحتكر الحقيقة.
ولا يزال رأيه اجتهاداً يقدّسه بعض الناس ويلعنه البعض الآخر ويراه افتئاتاً على ما تقول به الكتب المقدسة، التي ترى مجيء كل إنسان إلى هذا العالم مقترناً بمجيء رزقه معه، وبالتالي فلا مجال للكلام عن متوالية هندسية تميّز السكان، ولا عن متوالية عددية يختص بها الغذاء.
وإذا كان مالتوس قد عاش ومات في القرن التاسع عشر، فإن العالم كان على موعد في القرن العشرين مع إنجليزي آخر كان رأيه على النقيض من الرأي الذي أسست له النظرية الشهيرة.
وكان هذا الإنجليزي الآخر هو الآيرلندي الشهير برنارد شو، الذي اشتهر بسخريته، كما اشتهر بأدبه المسرحي الذي كانت السخرية إحدى صفاته، وكانت هي طابعه الذي يميزه عن كل مسرح آخر، وكانت سخريته أداة من أدوات التعبير عمّا يرى من أمور عالمنا الذي عاشه ونعيشه.
كان برنارد شو يسخر من نفسه في بعض الأحيان، وكانت سخريته من نفسه سلاحاً آخر من أسلحته الأدبية في مواجهة مشكلات كان يراها من صنع العالم، وبالتحديد من صنع غير العادلين بين قادته، وليس من صنع متواليات هندسية أو عددية تبدو صعبة ومعقدة.
كان شو يتطلع طول الوقت إلى أحوال العالم من حوله، ولكن الزاوية التي كان يتطلع منها تختلف عن الزاوية التي كان مالتوس ينظر منها، وبمعنى آخر كان الأول يتطلع بقلبه، وكان الثاني ينظر برأسه، مع ما بين القلب والعقل من اختلاف في زوايا النظر.
وكان شو يخلط ما يراه بسخرية لاذعة وذكية لم تكن تفارقه، وكان هذا مما يمنح ما يقوله في هذه القضية وفي غيرها مذاقاً خاصاً لن تجده طبعاً عند مالتوس، وبكل ما يميز علم الاقتصاد من جفاف في الشكل، ومن جمود في المضمون، ومن صعوبة في الهضم، ومن افتقار إلى الروح التي بغيرها يفقد الشيء حيويته لدى الشخص الذي يتلقاه.
كان الأديب الساخر لا يشغله أن سكان العالم أكثر من موارد الأرض، ولكن كان يشغله أن الموارد ليست فقط موجودة، ولكنها كافية أيضاً، ولكن المشكلة كانت على الدوام في القدرة على توزيعها، وقبل القدرة على توزيعها، الرغبة في ذلك بصدق مع النفس وأمانة مع الغير.
ولم يجد طريقة يعبّر بها عن هذا المعنى سوى أن يتحسس صلعته التي اشتهر بها، ومعها لحيته التي كانت تتدلى على صدره وتغطيه، ثم يقول في ألم وسخرية: إن حال العالم كحال صلعتي ولحيتي... غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع!
هكذا عبّر الرجل عن معضلة العالم، وهكذا فعل في كلمات لا تكاد تتجاوز أصابع اليدين، وهكذا جمع المعنى من أطرافه وركزه في أقل الكلمات.
ولأنه كان يرى القضية بقلبه، فإنه كان يتعاطف مع الإنسان فيها، وكان تعاطفه مع الإنسان الأضعف لا الأقوى، وكان يرى الحل في عدالة التوزيع التي تواجه الإشكال، وكان يقصد العدالة التي لا ترى في الذين لا يجدون غذاءهم عبئاً على العالم يجب التخلص منه بأي طريقة، والتي لا تراهم حمولة زائدة يجب إلقاؤها من الطائرة حتى تواصل الرحلة إلى محطة الوصول.
ولكن نظرة مالتوس الجامدة لم يكن يستوقفها هذا كله، وكانت القضية تشغله على الورق أمامه، لا على الأرض أو في الواقع من حوله، وكان يحسبها بمتوالياته ويجمع ويطرح، ثم ينتهي إلى أن الطبيعة سوف تتدخل بحروبها، وأوبئتها، وأمراضها، وأنه لا حل آخر.
ولكن عدالة التوزيع التي عاش شو يحلم بها، لم تكن بالسهولة التي كان يتصورها بها، ولا هي بالسهولة التي قد نتخيلها في حياتنا، فكل القمم التي انعقدت بين دول الشمال والجنوب، أو بين الدول الغنية والفقيرة، كانت ترفع شعار شو، ولكنّ الشعار سرعان ما كان ينتكس بعد كل قمة، وسرعان ما كان العالم يعود للحديث عن صيغة بعد صيغة من صيغ العون والمساعدة.
وربما كان تولستوي هو الوحيد الذي استطاع أن يحوّل ما كان يتمناه شو من حلم إلى علم، فكان يأخذ من إقطاعياته ويوزّع على فقراء الناس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حال العالم بين صلعة ولحية حال العالم بين صلعة ولحية



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:43 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

مايك شوماخر يبقى مع بريما لموسم جديد في فورمولا-2

GMT 06:46 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

طريقة عمل طاجن أرز بالحليب والمكسرات

GMT 21:26 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 00:15 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

خلاصات الرسالة الملكية للرياضة 2

GMT 07:12 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

اكتشاف دلائل على أكل البشر بعضهم لبعض داخل كهف غامض

GMT 09:02 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

اختراق حسابات تويتر على فيسبوك وماسنجر

GMT 02:31 2018 الأربعاء ,09 أيار / مايو

آبل تستبدل بعض هواتف "iPhone X" التي تعاني من مشاكل

GMT 12:04 2017 الجمعة ,03 آذار/ مارس

عبد الرقيب فتح يكشف عن انتهاكات "الحوثيين"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates