ماذا جرى في «المدينة على الجبل»

ماذا جرى في «المدينة على الجبل»؟

ماذا جرى في «المدينة على الجبل»؟

 صوت الإمارات -

ماذا جرى في «المدينة على الجبل»

بقلم : رضوان السيد

«المدينة على الجبل» تعبير إنجيلي ورمزي لمدينة البراءة والطهر. وقد استعار العبارة المهاجرون الأوائل الذين غادروا أوروبا إبان صراعاتها الدينية إلى بيئة الخلاص في براري أميركا وسهوبها العذراء. وعبر القرون استُخدم التعبير بمعنيين مختلفين فالمحافظون (حتى قبل الأحزاب السياسية) رأوا تفردها بمنأى عن أنظار العالم وشروره. والليبراليون اعتبروها صاحبة رسالةٍ للهداية ونشر أنوار الحرية على مدى العالم.

ماذا يمثّل الرئيس دونالد ترمب في ضوء الرمز الإنجيلي، وبأي تفسير أو تأويل؟ الرجل غير معروفٍ بالتدين، لكن معظم المتدينين الإنجيليين معه، بل أضيفت إليهم كتلة معتبرةٌ من الكاثوليك هذه المرة على وجه الخصوص. ويصرّ المراقبون على أنّ الأميركيين يقع الاقتصاد وتكاليف المعيشة في أولويات اهتمامهم، وهم يأملون أن تتحسن أوضاعهم في الفترة الثانية للرئيس ترمب. بيد أنّ هذا الحدث البارز له سياقٌ عامٌّ منذ عهد الرئيس رونالد ريغان في الثمانينات من القرن الماضي. وقد كانت لدى ريغان تصورات دينية بشأن نهايات العالم. وليس نهايات الاتحاد السوفياتي أو إمبراطورية الشر فقط! ومرةً أخرى لا يبدو أن لدى ترمب الدنيوي جداً أيَّ تصوراتٍ ماورائية، لكنّ المتدينين وفئات أخرى ربما يحمّلونه همومهم الدينية وليس المعيشية وحسب. فلا ينبغي أن ننسى قضايا ومشكلات الأُسرة والجنوسة وتبديل الجنس والإجهاض، وترمب يشاركهم وبوضوح في نصرة هذه القيم المحافظة.

مضت عقود على حملات اليمين واليسار على قيم وترتيبات التنوير الأوروبي والأميركي، والتي قام عليها نظام العالم بعد الحرب العالمية الثانية. وشاع لدى الفلاسفة الفرنسيين (والأميركيين) الجدد اعتبار أنّ تلك المبادئ والقيم كانت حافلةً بوجوه القصور وشكلت تغطيةً لزمن الاستعمار من زمن الليبرالية واقتصاد السوق بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والتبشير بالانتصار النهائي للديموقراطيات في زمن العولمة ووسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي. فقد رأى فيها هؤلاء ومنذ إدوارد سعيد وتيار التابع والمحافظين الجدد والإنجيليين الجدد مصيراً بائساً لإنسانية الإنسان وغربته ودمار البيئة والحروب العبثية التي اندفعت باتجاهها الولايات المتحدة وخصومها في روسيا والصين. ثم ما لبث أن التحق بهؤلاء جميعاً كبار مفكري الاقتصاد بعد الأزمة العقارية في الولايات المتحدة التي صارت عالمية (2008 - 2009).

إيمانويل تود وآخرون تحدثوا عن انهيار الغرب. ومن ضمن هؤلاء مفكرو النظام الأميركي أو القرن الأميركي مثل ستغلتز وجوزف ناي وميرشهايمر وحتى فريد زكريا. وهؤلاء يقيسون حالة العالم على حالة الولايات المتحدة التي يسودها انقسام داخلي عميق، وتمردات على سيطرتها في أنحاء العالم، وقد واجهت أميركا - مفارقةً آيديولوجيا القوة الناعمة - التحديات المستجدة بالحروب واستخدام القوة أو التهديد بها. وقد كان المعهود أن يعقب الحرب القصيرة أو الطويلة سلامٌ مؤقتٌ أو طويل، أمّا العقدان الأخيران فيشيران إلى أن الحروب الأميركية بدعوى إحلال الديمقراطية أو بناء دول الاستقرار، يعقبها اضطرابٌ هائلٌ وانتشار الميليشيات، أو نزاعات كسر العظم مثلما يحدث في حرب أوكرانيا وحروب إسرائيل والتوتر من حول تايوان وبحر الصين، والميليشيات المتطرفة في غرب أفريقيا، وهي دول لا تختلف فيها الجيوش كثيراً عن ميليشيات الفوضى والعنف!

فهل صحيحٌ أنّ الولايات المتحدة تعاني أزمةً تشبه أزمات الإمبراطوريات في نهاياتها؟ هذه الظواهر المثيرة للخوف ما اقتصرت على أميركا أو أنها لم تبدأ فيها، بل بدأت في أوروبا بمناطقها الثلاث الرئيسية. فاليوم تسود في القارة العجوز صاحبة تراث التنوير حكومات يمينية تتنكر لتلك القيم، ولمفهوم وممارسات «الرأسمالية الاجتماعية»، ولمفهوم: المجتمع المفتوح، والعداء للمهاجرين.

وهكذا، فإنّ ظواهر تقدُّم اليمين في أميركا وكندا وأستراليا، وإن اختلفت درجاتها، تشير إلى ظواهر عامة تسود العالم الغربي، وتؤْذِن بمتغيرات الأزمنة انطلاقاً من الغرب الذي صنع حاضر العالم في الحقبتين: حقبة الحرب الباردة، وحقبة زمن الهيمنة القصير العمر. كل المثقفين والإعلاميين الأميركيين ارتاعوا من ظاهرة ترمب وانتصاره ولأنّ القرن العشرين، والعقود الأولى للقرن الحادي والعشرين الذي صنع خلاله وخلالها الأميركيون وحلفاؤهم نظام العالم، ونظام العيش فيه؛ فإنّ المنتظر وقد داخَلَ الاختلالُ نظام العالم، أن تتطور أمور عدة، أهمها تعدد مراكز القوة، وازدياد الصراعات على الموارد وعلى المجالات الاستراتيجية، وبالتالي ازدياد النزاعات.

«المدينة على الجبل» التي فقدت السيطرة لا السطوة، وفقدت الوهج فإنها ما عادت تستطيع التفرد ولا الانعزال، ولا فرض نفسها على الآخرين بالقوة القاهرة. لكنّ ترمب يبقى رمزاً من رموز المرحلة الجديدة، رغم ذعر المثقفين والإعلاميين. وكما يقول ابن خلدون في نهايات فصول مقدمته إنّ لله في خلقه شؤوناً!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا جرى في «المدينة على الجبل» ماذا جرى في «المدينة على الجبل»



GMT 19:45 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

ثمن الاختيار

GMT 19:44 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

GMT 19:43 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

لا غضب لا كبرياء

GMT 19:42 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

الإخوان و«المال السايب»

GMT 19:41 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

وثيقة ترمب الأمنية... الانكفاء إلى الداخل

GMT 19:40 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

آثار فعل ارتفاع أسعار النفط

GMT 19:38 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

«لات ساعة مندم»!

GMT 22:20 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

مهزلة «الطيبات»!

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش - صوت الإمارات
شهدت مدينة مراكش أجواءً استثنائية من الفخامة والأناقة خلال فعاليات “أسبوع القفطان المغربي” في دورته السادسة والعشرين، والذي احتفى بجمال القفطان المغربي باعتباره أحد أبرز رموز التراث والأزياء التقليدية الراقية. وحرصت العديد من النجمات والإعلاميات العربيات على الظهور بإطلالات مستوحاة من روح القفطان المغربي الأصيل، بتصاميم مزجت بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية. وتألقت الفنانة غادة عبدالرازق بقفطان باللون الأخضر الزمردي تميز بتطريزات ذهبية كثيفة مستوحاة من الطابع التراثي المغربي، مع حزام مطرز أبرز أناقة التصميم، واختارت تنسيق أقراط مرصعة بأحجار الزمرد مع تسريحة شعر بسيطة على شكل ذيل حصان مرتفع. كما ظهرت مريم الأبيض بإطلالة مشرقة بقفطان أصفر لافت، جمع بين القماش الانسيابي والتفاصيل المعدنية اللامعة، وزُين ب...المزيد

GMT 13:28 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 17:03 2018 الأربعاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

استقالة رئيس تلفزيون كوري بعد إهانة طفلته لسائقها الخاص

GMT 03:55 2020 الخميس ,16 تموز / يوليو

تسريحات شعر عروس منسدلة لصيف 2020

GMT 17:32 2018 الأربعاء ,11 تموز / يوليو

تعرّفي إلى إيطاليا "وجهة المشاهير" في شهر العسل

GMT 09:34 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

دار بتانة تصدر رواية "منام الظل" لمحسن يونس

GMT 22:52 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

الـ"فيفا" يسحب تنظيم مونديال 2022 من قطر بعد المقاطعة الخليجية

GMT 23:24 2016 السبت ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

معرض الشارقة يحتضن "قيمة الكتاب في الحضارة الإسلامية"

GMT 17:28 2016 السبت ,08 تشرين الأول / أكتوبر

طريقة عمل المسخن الفلسطيني

GMT 09:32 2017 السبت ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

زلزال بقوة 6.7 درجة يضرب جنوب وسط الصين

GMT 17:56 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

NARCISO تستضيف عطراً إضافيّاً

GMT 03:29 2019 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

تكريم عدد من كتاب "أدب حرب أكتوبر"

GMT 01:52 2019 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

هدف نيمار مع باريس سان جيرمان بـ1.5 مليون يورو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates