بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
لم تحقق الدراسات المستقبلية فى العلوم الاجتماعية تقدمًا يُذكر بعد أكثر من أربعة عقود من بدء الاهتمام بها. مازالت هذه الدراسات تراوح مكانها فى مرحلة بدايتها الأولى فى مراكز الأبحاث والجامعات القليلة التى تعنى بها. كما أن تجاربها لم تنجح فى تقديم تصورات أو سيناريوهات يمكن الاسترشاد بها. ومن أبرز هذه التجارب مشروع مستقبل الصراع العربى-الإسرائيلى الذى حشد له مركز دراسات الوحدة العربية نخبة من الباحثين والخبراء العرب. ومن يعود إلى السيناريوهات التى تمخض عنها ذلك المشروع ويقارنها بواقع الحال اليوم يجد الهوة واسعة بينهما.
ولا يعنى ذلك التوقف عن محاولة تطوير أدوات جديدة لاستشراف المستقبل علها تفيد فى دعم عملية البحث اللازمة لإعداد دراسات مستقبلية. ولا ننسى أثر التغيرات السريعة والمفاجئة التى تحدث فى الأوضاع الإقليمية والدولية، والتى تجعل مهمة دراسة المستقبل أكثر صعوبة.
يختلف الأمر فى حالة الدراسات المستقبلية التى يعدها عدد متزايد من الشركات الآن. تحقق هذه الدراسات التى تعنى بعالم الأعمال والمال تقدمًا أكبر بكثير مقارنة بالدراسات المتعلقة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية فى منطقتنا، كما فى العالم.
ويعود جانب مهم من هذا الفرق إلى أن التغيرات فى عالم الأعمال والمال تحدث بشكل بطىء فى الغالب الأعم باستثناء ما يترتب على صدمات جيو-سياسية تحدث من وقت إلى آخر.
ولذا أصبحت الدراسات المستقبلية ركنًا أساسيًا فى بناء استراتيجيات الشركات التى تعدها وتسترشد بها فى اتخاذ القرارات المتعلقة بالأسواق. وتأثير الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران الآن مثال على ذلك، وخاصةً فيما يتعلق بأسعار النفط.
كما تلعب الدراسات المستقبلية دورًا مهمًا فى إدارة المخاطر عبر تقديم الاحتمالات والسيناريوهات التى تحدد طريقة التعامل مع التطورات السلبية التى يمكن تصورها عند إعداد هذه الدراسات، واقتراح الحلول المناسبة مثل زيادة الاحتياطات المالية، أو تنويع النشاطات التجارية، أو غيرها من خطط التحوط التى يمكن أن تلجأ إليها الشركات. وقد حققت الدراسات المستقبلية من هذا النوع تقدمًا ملحوظًا نرجو أن نرى مثله فى مجال العلوم الاجتماعية فى وقت قريب.