«كمامة» العقل العربى

«كمامة» العقل العربى!

«كمامة» العقل العربى!

 صوت الإمارات -

«كمامة» العقل العربى

عماد الدين أديب
بقلم - عماد الدين أديب

متى نتوقف عن شخصنة كل الأمور والأحداث والمواقف والأشخاص فى تقييمنا السياسى؟متى يصبح الصواب صواباً، والخطأ خطأً بصرف النظر سواء كان فاعله هو أحب الناس إلى قلوبنا أو أكثر الناس عداوة لنا؟متى نفصل بين «الفعل» و«الفاعل» و«المفعول به»؟متى نتجرد ونحن نُقيّم حاكماً، أو حزباً، أو سياسة، ونخلّص تقييمنا من عاطفتنا ومصالحنا وأهوائنا؟هذه القضية ليست مجرد مسألة فكرية نظرية، لكنها مسألة جوهرية، وفى رأيى أنها الأكثر تدميراً للعقل السياسى العربى اليوم.بعقولنا المتحيزة، الثأرية، حوّلنا الثورات إلى انقلابات، والانقلابات إلى ثورات، وجعلنا من القتلة شهداء، ومن المستبدين أبطالاً، ومن الذين يبنون المجتمعات بعرقهم ومالهم متوحشين سارقين، وحوّلنا الأبطال إلى خونة، والجهلاء إلى مفكرين، وتجار المخدرات وكبار غاسلى الأموال إلى رجال أعمال.وتجرأنا على أصحاب العلم والعلماء، وشككنا فى الكتب المقدسة وصحيح الأحاديث النبوية، ووصل بنا الأمر إلى إنكار ألوهية الواحد القهار جل جلاله سبحانه.نحن نعيش عصر العقل المحتل، والعقل المحتل هو المقدمة الإلزامية للأرض المحتلة!يتم غزو العقول قبل غزو الأراضى.المسلسلات التركية غزت سوريا والعراق قبل أن تغزو كردستان العراق وإدلب سوريا.والثقافة الشعبية الأمريكية غزت آسيا قبل أن تتمكن من مفاصل اقتصاد جنوب شرق آسيا.وروسيا سيطرت على دول الاتحاد السوفيتى القديم باللغة والأفكار والإعلام وصناعة الأفلام والموسيقى.قبل أن نتحدث عن المصنع والمدفع والصاروخ والغذاء، يجب أن نفكر فى تنمية العقول والنفوس والثقافة الوطنية.أذكر أننى سألت أستاذى الدكتور زكى نجيب محمود، صاحب أكثر من 80 كتاباً فى علم المنطق: «متى أكون موضوعياً ومتى أكون متخلفاً؟»، قال: الإجابة بسيطة جداً يا ولدى: حينما تفصل الشخص عن الموضوع تصبح موضوعياً، وحينما تفعل العكس تصبح متخلفاً».ببساطة يريد هذا العالم العظيم أن يقول لى: «القدرة على التجرد فى تقييم الأشياء والحكم على الأمور وتحليل السياسات تحدث فيما ترى الخطأ فى من تحب وتعشق وتؤيد، وأن ترى -فى الوقت ذاته- الصواب فى أكبر أعدائك».أحياناً نتعامل مثل تعامل قريش مع أصنامهم الذين كانوا يعبدونها من دون الله، فإذا ما احتاجوا أن يمارسوا الخطيئة دعوها، وإذا جاعوا أكلوها، حينما تكون مصنوعة من التمر!وأحياناً نكون من أشد الناس ظلماً وإجحافاً عندما نشيطن أعداءنا ولا نرى فيهم سوى الخطأ والخطيئة الدائمة.وأحياناً ثالثة نلعن من كنا نقدسه، ونعود ونقدس من كنا نلعنه!يقول المفكر الكبير محمد عابد الجابرى فى مسألة تكوين العقل العربى: «نحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت ومتخشب فى كياننا العقلى وإرثنا الثقافى».اختصرنا «الجهاد» على أنه القتال، بينما هناك عشرات الدروب والأشكال للجهاد.«الجهاد» فى اللغة هو «بذل الجهد»، وأكثر ما يجب أن نمارس فيه الجهاد هو «جهاد الاجتهاد».العقل المتحجر يؤدى إلى تداعى الأمم، وتحجر النمو، وتجمد الإصلاح.تأملوا كل الدول التى تنهار من حولنا؛ اليمن، العراق، سوريا، ليبيا، مرت كلها بفترات تم فيها تعطيل الاجتهاد، وتأميم العقول، وفرض الحراسة على التفكير، واعتقال الإبداع!هناك ارتباط شرطى كامل بين أزمة العقل وأزمة الحكم، وبين أزمة الحكم وأزمة الأمن القومى، يعيش العالم العربى فى قاع مؤشرات التنمية البشرية فى العالم.ففى العام 2013، أى منذ 7 سنوات، جاء فى تقرير الأمم المتحدة أن 3 دول نامية رائدة هى: «البرازيل، والصين، والهند» سيتجاوز ناتجها الاقتصادى بعد عشر سنوات إجمالى إنتاج كندا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة!نحن أكثر دول مصدرة للحروب الأهلية، والقتلى والضحايا من المدنيين، وأكثر المناطق فى العالم التى توجد فيها ألغام أرضية، وأكبر عدد من النازحين واللاجئين.نحن أكبر مشترٍ للسلاح، وأقل الدول إنتاجاً وإصداراً للكتب والأبحاث العلمية وتأسيساً لمراكز الدراسات.ذلك كله لأننا ببساطة نضع مائة كمامة على عقولنا.العقل العربى يستخدم منذ أكثر من مائة عام «كمامات حاجبة للتفكير»!«كمامة» تمنع الإنسان من فهم صحيح الدين وقيمة التسامح الدينى، واحترام وجود الآخر.«كمامة» أخرى ترى فى الثروة عورة، وأن الرأسماليين إخوان الشياطين، وتساعد على خنق المبادرة الفردية.وكمامة ثالثة تحتقر الفقراء، وتتوحش فى نهب البسطاء، وتهميش غير القادرين، وتتهرب من المسئولية الاجتماعية.وكمامة سياسية تعشق السلطة وتدمن الاستبداد وتستحل المال العام.وكمامة اجتماعية تهين المرأة، وتمارس التنمر، وتفرّق بين الطبقة والعرق والدين والمذهب والطائفة والعائلة!إن فيروس الكورونا هو خطر عظيم، ولكن فيروس ذلك التخلف الفكرى الذى نحياه هو أشد خطورة وأكثر تهديداً فى حاضرنا ومستقبلنا.ذات يوم سوف يُكتَشف مصل ودواء للكورونا، أما تخلّف الأفكار الذى يؤدى إلى انهيار الأمم وسقوط الحضارات فهو داء يحتاج إلى بذل أكبر الجهود حتى نجد له دواء.الكمامة قد تقى من الكورونا، ولكن كمامات العقل التى تحجب عنه نور العقل، واستنارة الأفكار، والدافع إلى الإصلاح، والسعى إلى النهضة الشاملة، هى الخطر العظيم.ضعوا كمامات الأنف والفم، وانزعوا كمامات العقل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«كمامة» العقل العربى «كمامة» العقل العربى



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030
 صوت الإمارات - الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الصين تقترب من شحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق

GMT 17:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 19:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 19:17 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 12:22 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تعاني من ظروف مخيّبة للآمال

GMT 04:24 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل العطور المناسبة للعروس الرقيقة

GMT 17:25 2024 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

أفضل المطاعم الرومانسية في مدينة جدة السعودية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates