أبعد من تداعي «تفاهم مار مخايل»

أبعد من تداعي «تفاهم مار مخايل»

أبعد من تداعي «تفاهم مار مخايل»

 صوت الإمارات -

أبعد من تداعي «تفاهم مار مخايل»

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

لسنا بحاجة إلى فائض في الوطنيّة، ولا إلى فائض في حسن النوايا، كي ندرك أنّ أيّ تلاقٍ بين جماعتين طائفيّتين في لبنان مكسبٌ للبنانيّين. لكنّ «تفاهم مار مخايل»، الموقّع في 2006، والذي جمع «حزب الله» إلى «التيّار الوطنيّ الحرّ» ليس كذلك.

فهو «وحّد» طرفين ضدّ طرف ثالث هو الطائفة السنّيّة، ثمّ وفّر لأحد هذين الطرفين، وباسم «حلف الأقلّيّات»، غطاءً «وطنيّاً» لغزو سوريّا و»تحريرها» من شعبها. فوق هذا، كان «التفاهم» تفاهماً على استبعاد العناصر التي لا يقوم من دونها وطن ودولة: فقد بُوركَ عمليّاً مضيّ الميليشيا في تسلّحها وفي بنائها دولة أقوى من الدولة ومجتمعاً موازياً للمجتمع، كما أُجيز توطيد نفوذ محلّيّ الأداة، إلاّ أنّه أجنبيّ وتوسّعيّ يتغلغل في الدولة والمجتمع، ويفتح المعارك الخارجيّة ويُغلقها على هواه، كما يخرّب علاقات لبنان بجواره، ويجتثّ كلّ مبادرة إصلاحيّة، معزَّزاً، في هذا كلّه، برئاسة الجمهوريّة وبقاعدتها المسيحيّة التي عُرفت تقليديّاً بأنّها قاعدة الدولة. وفي هذه الغضون، طعن «التفاهم» في الصميم الجبهة العريضة التي نشأت في 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري، وتأدّى عنها إخراج جيش بشّار الأسد من لبنان.

وعلى الدوام، وأمام الأزمات التي كانت تنتاب العلاقة، كان ميشال عون وجبران باسيل يُبديان نوعاً من الثقة المُتصابية ليس فقط بـ «ضمانات» «حزب الله»، بل أيضاً بتفضيله تيّارهما على شريكه الطائفيّ، «حركة أمل»، مفترضَين أنّ «الغطاء» الذي يؤمّنه المسيحيّون أثمنُ، في حسابات «الحزب»، من وحدة الطائفة الشيعيّة التي يغطّيها ذاك «الغطاء».

هذا كلّه يتصدّع اليوم. فالحزب الذي ذهب بعيداً في حربه لم يعد مكترثاً بأيّ «غطاء»، والتيّارُ، بدوره، فقد رئاسة الجمهوريّة ولم يعد في وسعه أن «يغطّي»، ناهيك عن أنّ المهمّة نفسها باتت تُعرّي المُغطِّي في بيئته الطائفيّة بما يفوق كثيراً قدرته على التغطية. أمّا اختراع «داعشٍ» ما تهاجمنا من الشرق وتستدعي لصدّها تضافراً مسيحيّاً شيعيّاً، فبات أقلّ احتمالاً وأضعف قدرة على إهانة ذكائنا.

وإذا صحّ أنّ التوصّل إلى وقف إطلاق نار في غزّة قد يهدّىء الجبهة اللبنانيّة – الإسرائيليّة، ويبطّىء بالتالي الإلحاح على إنجاز الطلاق بين طرفي «التفاهم»، صحّ أيضاً أنّ يوآف غالانت ليس في هذا الوارد على ما يبدو، إذ أنذرنا بأنّ التهدئة في غزّة لن توقف الهجوم على لبنان.

وعلى أيّة حال فاللبنانيّون اليوم ربّما كانوا عشيّة انفصال قد يتأخّر إعلانه لكنّه غدا أقرب إلى أمر واقع. ومع تطوّرٍ كهذا سوف يصبح الحزب أكثر شيعيّة (وهل هناك أكثر؟) فيما يصبح التيّار أكثر مسيحيّة، إذ يكون الطرفان قد تحلّلا من آخر التزام، ولو شكليّ، حيال الحليف الإسميّ. لكنّ هذه ستكون تكراراً لعشرات الحالات التي عجز فيها التكاذب حول السياسات الخارجيّة عن الصمود أمام الواقع. ففي الزمن الناصريّ والفلسطينيّ انفجرت العلاقة المسيحيّة – السنّيّة غير مرّة، وفي الزمن الإيرانيّ انفجرت العلاقتان السنّيّة – الشيعيّة والمسيحيّة – الشيعيّة. وفي كلّ مرّة كان الذهاب بعيداً في التكاذب لا يلبث أن يرتدّ على الجماعات، وعلى الوطن، حدّةً أكبر وتصادماً أعنف، وهو ما يأتي مصحوباً بانهيار يطال انتظام العمل السياسيّ والدستوريّ برمّته.

وهذا ليس مردّه إلى أنّ هناك طرفاً وطنيّاً وطرفاً خائناً أو عميلاً، على ما يذهب الممانعون ممّن يزعمون احتكار المعاني واحتكار التأويل. ذاك أنّ اللبنانيّين جماعاتٌ لكلّ منها ثقافة فرعيّة وتشكّل تاريخيّ مستقلاّن عن الثقافة الفرعيّة والتشكّل التاريخيّ للجماعة الأخرى. وبهذا تحول تعدّديّة التركيبة هذه دون التوصّل إلى تعريف موحّد لمصطلحات الوطنيّة والعداوة والمصير وسوى ذلك من مفاهيم تُبنى منها عمارة الجماعة في صورتها عن ذاتها وعن العالم. ولئن مثّل الإمعانُ في الأدلجة التهديدَ الأسوأ لعيش هذه الجماعات المشترك، فالمؤكّد أنّ نزع الأدلجة، بأكبر حدّ ممكن، شرطٌ شارط لنجاح ذاك التعايش. وفي الحساب الأخير، سوف يكون من البائس جدّاً، والخطير جدّاً، معاملة الجماعات المكتفية بتصوّرها عن الذات والعالم بمعايير «الأمّة» و»القوميّة» التي تفترض وجود إجماعات عريضة فيما لا يوجد فعليّاً أيٌّ منها. وللسبب هذا تبدي أعداد متزايدة من اللبنانيّين قناعتها بأنّ حياد البلد هو الحدّ الأدنى الضروريّ، وإن غير الكافي، لإنقاذ «الأخْوة» و»طوائفهم الكريمة» من التنازع الأهليّ.

أمّا العونيّون فلا بدّ، عاجلاً أو آجلاً، من مساءلتهم عن مراجعة وعن نقد ذاتيّ لمسؤوليّتهم الكبرى عن إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه، وهذا موضوع آخر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبعد من تداعي «تفاهم مار مخايل» أبعد من تداعي «تفاهم مار مخايل»



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030
 صوت الإمارات - الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الصين تقترب من شحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق

GMT 17:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 19:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates