إذ تنهار منطقة ويعزّ الحلّ

إذ تنهار منطقة ويعزّ الحلّ...

إذ تنهار منطقة ويعزّ الحلّ...

 صوت الإمارات -

إذ تنهار منطقة ويعزّ الحلّ

بقلم - حازم صاغية

 

قبل ثلاثة أسابيع شرعت الجهود الديبلوماسيّة العربيّة والغربيّة تتسارع، هادفةً إلى إسكات آلة القتل الإسرائيليّة والتوصّل إلى وقف إطلاق نار يراهن البعض على تحويله وضعاً دائماً، وعلى تعزيزه بما ينتج سلاماً ما. وإذ يبدو توجّهٌ كهذا مُلحّاً، رغم استمرار تعثّره، فإنّ ما يعادله إلحاحاً التفكيرُ في أوضاع عربيّة تتراوح بين الكارثة المعلنة والكارثة التي لا يحول تأجيلها، أو كمونها، دون توقّعها.

فإلى الاستباحة الإسرائيليّة المتمادية في غزّة، يعيش غير بلد عربيّ مزيجاً من امّحاء حدوده الوطنيّة وخضوعه للتحكّم الميليشيويّ وانهياره الاقتصاديّ والتعليميّ. يترافق هذا كلّه مع استنزافين خطيرين يواكبان الموت المعمّم النازل بالسكّان، واحدٍ للبشر الذين يهاجرون أو يلجأون أو ينزحون، وبأرقام جبّارة، من بلدانهم أو في داخلها، وآخر للموارد الاقتصاديّة التي تُدمَّر على نحو متواصل ومتصاعد.

فلنتمعّن قليلاً، مثلاً لا حصراً، في هذه المعطيات والأرقام التي يوردها الزميل السودانيّ يوسف بشير عن بلده، في مقالة نشرها له موقع «درج»: «دفع العنف والاشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني 7،6 مليون سوداني للفرار من منازلهم، منهم 6،1 مليون شخص نازح داخلياً، يعيشون في ظل أوضاع إنسانية بالغة السوء، بعد فقدان مصادر دخلهم وتآكل مدخراتهم، نتيجة النزوح الطويل وتراجع قيمة العملة المحلية. ومن بين هؤلاء الفارين 3،5 مليون طفل أُجبروا على مغادرة منازلهم، وفقًا لممثلة اليونيسف في السودان مانديب أوبراين. وتقول أوبراين إن أطفال السودان يعيشون كابوساً حقيقياً، إذ يحتاج 14 مليون من أصل 24 مليون طفل سوداني إلى المساعدة في مجالات الصحة والتغذية والحماية، علاوة على وجود 19 مليون طفل في سن الدراسة لا يذهبون إلى المدارس، وتشير إلى أن استمرار هذا الوضع يجعل السودان يواجه خسارة تقدّر بـ26 مليار دولار. وتشمل كارثة الحرب جميع مناحي الحياة، خصوصاً تصاعد العنف ضد النساء والفتيات اللواتي يواجهن تهديدات الاختطاف والاختفاء القسري والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، وسط توقّعات من الأمم المتحدة بارتفاع أعداد اللواتي يتعرضن لخطر العنف القائم إلى أكثر من 6،9 مليون امرأة وفتاة».

ولا ينسى بشير الإشارة إلى الخوف الواسع «من تحوّل الحرب المندلعة بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى نزاع دائم، في ظل عدم ممارسة المجتمع الدولي ضغوطاً كافيةً لإجبار طرفي الصراع على إنهائه بالطرق السلمية».

ولئن كانت بلدان الحرب الأهليّة المفتوحة، أي سوريّا واليمن وليبيا، فضلاً عن السودان، هي التي تتصدّر هذه الوجهة الكارثيّة، فقد غدا جليّاً أنّ أطرافها الداخليّة المتنازعة غير راغبة في إنهاء هذا الواقع المؤلم الذي تصنعه وتوالي صناعته كي تستفيد منه، بينما الأطراف غير المتنازعة أو الحياديّة عاجزة عن تنفيذ ذلك. وإذا صحّ أنّ «الأزمات» تلك سبق أن أطلقت مبادرات دوليّة مجزّأة لعلاجها، فالصحيح أيضاً أنّ المعالجة باتت تستدعي جهداً كبيراً منسّقاً يتعامل مع المنطقة ككلّ، ويكون له شكل مؤتمر دوليّ موسّع أو ما يعادله. فإذا قيل أنّ الوضع الدوليّ غير مؤهّل راهناً لمهمّة كهذه، تبعاً لانقساماته (حرب أوكرانيا، الخلاف حول تايوان...) ولشروطه الاقتصاديّة غير المشجِّعة راهناً، بقي أنّ التوصّل إلى تصوّر نظريّ كهذا قد يرسم أفقاً لا يزال ضعيف الحضور، هذا إن لم يكن غائباً كلّيّاً.

والحقيقة التي تتضافر التجارب لإثباتها، والتي تجعل الإلحاح على مبادرة دوليّة كبرى أمراً يعادل البقاء والزوال، هي أنّ صيغة الدولة – الأمّة كما عرفتها المنطقة إبّان الحرب الباردة تفقد كلّ صدقيّة لها وتخسر قابليّتها للاستمرار في بلدان كثيرة. ولربّما بات مطلوباً التفكير في صِيغ سياسيّة وقانونيّة تحلّ محلّها وتكون أشدّ توافقاً مع معطيات الواقع وإرادات السكّان. وما من شكّ في أنّ عودة الولايات المتّحدة إلى «التورّط في المنطقة»، بعد مرحلة وُصفت بـ «الانسحاب» منها، عاملٌ يُبنى عليه في توجّه كهذا.

ففي عديد البلدان العربيّة ثمّة واقع لا يجوز وصفه بأقلّ من «انفصاليّ». وما يزيد احتدام حربيّته، الظاهرة أو المستترة، وجودُ قوى محتلّة وجيران عدوانيّين. وفي المشرق العربيّ تحديداً قد تكون حال سوريّا نموذجاً نُعاينه في أحوال أدلب ودرعا وشمال شرق البلاد، كما في تآكل السلطة المركزيّة وتغوّلها في وقت واحد، وهذا ناهيك عن الاستضافة المسمومة للضبّاط الإيرانيّين والردود الإسرائيليّة عليهم. لكنّ العراق، حيث توقف إحدى الميليشيات أعمالها الحربيّة لـ»عدم إحراج حكومتها»، لا يختلف كثيراً، وإن أخفى انفصاليّتَه وراء غلالة دولة رقيقة. وأمّا لبنان فتجد فئاتٌ متعاظمة من أبنائه أنّها موصومة بـ»الخيانة» تبعاً لرفضها أوامر الميليشيا ونواهيها وصورتها عن السياسة والوطنيّة والحياة، وربّما عمّا بعد الحياة.

وأمام هذه اللوحة الإجماليّة من التفتّت والتعفّن والانهيار، علينا أن ننقّب كثيراً في نفوسنا، وأن نسأل: لماذا؟، عازفين عن إجابات سريعة وهيّنة كثيراً ما مارست علينا إغراءها الساحر.
كُتّاب الشرق الأوسط

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إذ تنهار منطقة ويعزّ الحلّ إذ تنهار منطقة ويعزّ الحلّ



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030
 صوت الإمارات - الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الصين تقترب من شحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق

GMT 17:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 19:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 19:17 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 12:22 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تعاني من ظروف مخيّبة للآمال

GMT 04:24 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل العطور المناسبة للعروس الرقيقة

GMT 17:25 2024 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

أفضل المطاعم الرومانسية في مدينة جدة السعودية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates