«الخوف» كعنصر مشترك ومسكوت عنه في منطقتنا

«الخوف» كعنصر مشترك ومسكوت عنه في منطقتنا

«الخوف» كعنصر مشترك ومسكوت عنه في منطقتنا

 صوت الإمارات -

«الخوف» كعنصر مشترك ومسكوت عنه في منطقتنا

بقلم - حازم صاغية

 

تكمن خلفيّة الواقع المأساويّ في غزّة في عقود من الاحتلال والقهر والصراع على الأرض والمظلوميّة، ولكنْ أيضاً في عناصر أخرى تأدّت عن الاحتلال ومقاومته بقدر ما كيَّفَتْهما. والخوف، بين تلك العناصر، أحد مفاتيح الوضع البائس وتفاقُمه، ليس فقط في مسرحه الغزّاويّ الأكبر، بل أيضاً في بلدان ومناطق عدّة من الشرق الأوسط. يقال هذا علماً بأنّ مُفردة الخوف نادراً ما استُخدمت لفهم ما يجري، فلم تحظَ بالأهميّة التحليليّة التي حظيت بها مفردات الصراع الأخرى.

والحال أنّ تجاهل الخوف، والتجاهلُ مشترك بين المتحاربين، تسنده ثقافات ذكوريّة، قوميّة ودينيّة، لدى الأطراف جميعاً. فالخائف لا يُظهر خوفه، وحتّى حين يقدّم نفسه كضحيّة أوحد، يكون عليه أن يدمج هذه الصورة بصورة القوّة. فإذا صحّ مثلاً أنّ الفلسطينيّين يخافون الآلة العسكريّة الإسرائيليّة التي مارست وتمارس قتلهم، إلاّ أنّهم يؤكّدون قوّتهم بإصرارهم على الصمود وبدعم يأتيهم من العرب والمسلمين والحلفاء. أمّا امتلاكهم الحقّ ونضالهم لأجله فكفيلان بأن يضمنا النصر لهم. وإذا صحّ أنّ الإسرائيليّين المحمّلين بذاكرة الهولوكوست والبوغرومات يخافون محيطاً يعتبرونه مُعادياً، إلاّ أنهم متأكّدون من أن النصر حليفهم بفعل جيشهم القويّ وتحالفاتهم الدوليّة وزعمهم امتلاك الحقّ.

ومن يعش في الشرق الأوسط يدرك معنى الخوف الذي تتبادله جماعاته، وكيف أنّ لكلٍّ منها تاريخاً يكاد يكون ملحميّاً ترصّعه المعارك وأعمال الطرد والتهجير. لكنّ الفكر السياسيّ، في المقابل، يُظهر حجم التحايُل على الخوف واستبداله لفظيّاً بمزاعم القوّة.

ومن حقّ الفلسطينيّين كما الإسرائيليّين أن يخافوا. فالفلسطينيّون الذين خسروا منذ 1948 إمكانيّة أن تكون لهم دولة في محيط كانت جميع دوله تنشأ أو تستقلّ، يخافون فعلاً أعمال جيش شرس ومتقدّم تقنيّاً سبق أن أنزل هزائم عدّة بجيوش عربيّة كان يُعتقد أنّها قويّة، وهذا قبل أن يصبح المستوطنون قوّة مسلّحة إضافيّة تتسبّب بإخافتهم وبقضم أرضهم. وحين نتذكّر سهولة لجوء الإسرائيليّين المهجوسين بالأمن إلى العنف ردّاً على أدنى تحدٍ فلسطينيّ، وسهولة انقلاب ردّهم إلى عقاب جماعيّ، ندرك جوانب من هذا الخوف. وبدوره يعجّ التاريخ الفلسطينيّ الحديث بأسباب الخوف، وفي عدادها الطرد واللجوء وظروف الحياة والعمل الصعبة، خصوصاً لمن انتهى الأمر بهم إلى العيش في مخيّمات، ومن ثمّ الاضطرار الى الإقامة في البلدان المجاورة لفلسطين وسط جماعات قد تكون مُصابة هي الأخرى بالمخاوف الديموغرافيّة.

أما الإسرائيليّون المسكونون بتجاربهم الأوروبيّة المؤلمة، والذين تؤرّقهم هواجس تِكرارها، فيجدون أنفسهم أقلّيّة مختلفة وغير محبوبة في منطقتها. وعلناً أو ضمناً يتصرّف معظمهم وفق منطق يقول إن السلام والتطبيع ليسا ضمانة كافية ضدّ الكراهية والرفض. فالصلح مع مصر الذي يعود إلى 1978 لم يؤسّس سوى «سلام بارد»، والشيء نفسه يقال عن صلح آخر مع الأردن، انقضى عليه ثلاثون عاماً.

وما من شيء يضاعف الخوف كتزايُد التمسّك بالهويّات وما ترتّبه من نبش في المواضي. ونعلم أن العقود الأخيرة جعلت المسلم أكثر إسلاماً واليهوديّ أكثر يهوديّة، فغدا بناء الجسور أصعب من أي وقت، وهذا لا تذلّله المصالحات الديبلوماسيّة الفوقيّة بين الحكومات.

وفي المشرق لا يوجد نموذج واحد يقي الخائف خوفه، خصوصاً وقد انهار النموذج اللبنانيّ الذي غالباً ما وُصف بأنّه حاضنة لتعايش إسلاميّ مسيحيّ. ومؤخّراً شهدنا ثورات شعبيّة تفسّخ بعضها إلى حروب طائفيّة وإثنيّة، وموجات لجوء مليونيّ، كما نشأت «داعش» وكانت محنة الإيزيديّين وسواهم ممّن خضعوا لحكمها. وبينما تبقى مشكلة الظلم الكرديّ المديد والعابر للحدود بلا حلّ، وتمضي تركيّا في امتناعها عن الاعتذار للأرمن، تقوى الدعوات إلى الفيدرالية، أو التقسيم، وتشتدّ بين مسيحيّي لبنان.

ويصعب القفز هنا فوق الدور الكبير لثورة إيران التي وفّرت العبور الأمتن إلى زمن الهويّات المغلقة. وهذا فيما الاسمان الأكثر ارتباطاً بالسلام، أنور السادات واسحق رابين، انتهى أمرهما مقتولين على يدي متطرّفين من بلديهما. أمّا ياسر عرفات الذي وجّه له الإسرائيليّون أكثر من إهانة مباشرة، فبعد وفاته استولت «حماس» على غزّة وطردت منها السلطة التي أنشأها.

والخوف ما يفسّر الهوس الأمنيّ الإسرائيليّ والرفض القاطع لعودة الفلسطينيّين وقيام دولة واحدة، خصوصاً أنّ ما من مسافة جغرافيّة تفصلهم عن الفلسطينيّين كالتي تفصل الجزائريّين عن فرنسا والأنغوليّين عن البرتغال. والإسرائيليّون، في النهاية، لا يُبدون أيّ استعداد لركوب مغامرة السلام، والسلامُ يبقى مغامرة بمعنى ما.

كذلك لا يُطمئن الفلسطينيّين أنّ المتعاطفين الإسرائيليين مع حقّهم أضعف من أن يؤثّروا في مزاج دولتهم وسياستها. فبعدما كان «معسكر السلام» ناشطاً وقويّاً، ومعه مبدأ الانسحاب من الأراضي المحتلّة، تفكّك هذا المعسكر وضمر. وجاء الانسحابان من لبنان وغزّة في 2000 و2005 ليقدّما حججاً للقائلين بأنّ الانسحاب لا يأتي بالسلام، وهذا قبل استيلاء «حماس»، التي لا تعترف أصلاً بإسرائيل وبأوسلو، على غزّة.

والخائف لا يُطمئن خائفاً آخر بل يُخيفه، متوهّماً أنّه بهذا يطرد خوفه. وهذا ما ضاعفته مئات المرّات «طوفان الأقصى» والعقاب الجماعيّ الإسرائيليّ.

وأغلب الظنّ أنّ الخوف ومحاولة طرده عبر إخافة الآخر سيتحوّل إلى نهج في منطقتنا، ما لم يحضر طرف ثالث يكون قويّاً وقادراً على فرض تسوية ممكنة تطمئن وحدها طرفين خائفين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الخوف» كعنصر مشترك ومسكوت عنه في منطقتنا «الخوف» كعنصر مشترك ومسكوت عنه في منطقتنا



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030
 صوت الإمارات - الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الصين تقترب من شحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق

GMT 17:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 19:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 19:17 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 12:22 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تعاني من ظروف مخيّبة للآمال

GMT 04:24 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل العطور المناسبة للعروس الرقيقة

GMT 17:25 2024 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

أفضل المطاعم الرومانسية في مدينة جدة السعودية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates