بقلم:أمينة خيري
يندر وجود مشكلة فى المجتمع قائمة بحد ذاتها، أى غير متصلة بسلسلة كاملة من المشكلات. سكان شارع ما يشكون قذارته والفوضى التى تعم أرجاءه وعدم وجود رصيف للسير. القذارة سببها أن الناس يلقون القمامة فى الشارع، وهذا يعود إلى قلة الوعى بالنظافة واحترام حق الغير فى شارع نظيف وعوار فى التعليم الذى يجعل المواطن نظيفاً فى بيته، وعكس ذلك فى الشارع. وغالبًا تعود المشكلة كذلك إلى عدم جمع القمامة من صناديقها (إن وجدت) بنظام محكم ودورى من قبل الجهات المختصة. وربما تمت سرقة الصناديق لأن السارق وجد فيه صفقة يكسب بها بعض المال، ولأن الشيخ حين شدد على أهمية الوضوء والصلاة، لم يشدد أيضاً على أن السرقة حرام، وأن الوضوء، أى النظافة التى يجب أن تسبق الصلاة، لا تقل أهمية عن نظافة الشارع. أما فوضى الشارع فسببها فوضى السير والقيادة، وعدم تطبيق القوانين. وعدم وجود أرصفة سببه احتلالها من قبل المحلات، أو تحولها مقاه غير مرخصة، وحلقة العلة تستمر فى الاتصال.
حادث «حدائق الأهرام» لا يختلف عن هذه الحلقات المسلسلة. أهل لا يرون مشكلة أو معضلة أو مسؤولية مجتمعية مغدورة حين يتركون طفلهم أو طفلتهم يرتع فى الشارع بالسيارة. وهم ليسوا الوحيدين فى ذلك. ظاهرة قيادة الأطفال للمركبات بأنواعها فى كل مكان، وتشمل كل الطبقات.
حيث أسكن فى مدينة الشروق، يقود أطفال موتوسيكلات دليفرى وتروسيكلات محملة ببشر أو بضائع. ويقود أبناء الذوات موتوسيكلات وبيتش باجى وسيارات، ومنهم من يدخل فى سباقات سرعة على سبيل التسلية فى طريقهم إلى النادى وكأن المدينة حلقة سيارات متصادمة فى الملاهى. تتحدث إلى الصغير، فيخبرك أن «بابى» و«مامى» عارفين. تتحدث إلى «بابى» أو «مامى»، فتأتى الإجابة معروفة: ابنى وأنا حر فيه. ورغم أن الإنجاب مسؤولية، والأبناء ليسوا ملكية خاصة، وعلى افتراض أن الإنجاب على سبيل التسلية، وأن الأبناء شأنهم شأن الكنبة أو الثلاجة نفعل بهم ما أردنا، فماذا عن حق المجتمع، وتعريضه للخطر وترويعه؟.
يفترض أن التربية هى إعداد إنسان صالح. إنها القاعدة والقيمة التى لا تتغير بتغير الزمن ومقوماته وسماته. وهى لا تتغير بحسب قدرات الأسرة المادية أو مكانتها الاجتماعية، أو بنوع المدرسة الملتحق بها الصغار، أو بحسب الانتماء الدينى أو السياسى.
وبمناسبة الانتماء الدينى، و«التدين» الشديد الذى نراه فى مجتمعنا، لن يختلف اثنان ممن عاصرا مصر فى زمن ما قبل «الصحوة» السبعينياتية، وما شهدناه من تحول اجتماعى ودينى عميق، حيث صعود الحركات وجماعات الإسلام السياسى، وتغلغلها فى المجتمع، أدت إلى التحول من مجتمع طبيعى، فيه قانون وتعليم وتربية وقيم وسلوكيات وأخلاق مدنية، جنباً إلى جنب مع إيمان المصريين وتدينهم بدون عنصر الهوس، إلى مجتمع مهووس بالمظهر، على حساب الجوهر، بما فى ذلك التربية والتنشئة، ولحلقة العلة المتصلة بقية.