أبى وأبى ويدى اليسرى

أبى.. وأبى.. ويدى اليسرى

أبى.. وأبى.. ويدى اليسرى

 صوت الإمارات -

أبى وأبى ويدى اليسرى

بقلم: فاطمة ناعوت

13 أغسطس، لا يمرُّ على رُزنامتى كما يمرُّ على الآخرين. يتوقف عند باب قلبى، ويطرقُ ثلاثَ طرقات. الأولى: ذكرى رحيل أبى المتصوّف الذى علّمنى العدلَ والحب والرحمة. الثانية: ذكرى رحيل أبى الروحى، «سمير الإسكندرانى»، الفنان المتصوّف الذى غمر روحى ببهجة الفن الرفيع وكان أبًا روحيًّا لصالونى الثقافى، وأما الثالثة: فهى يدى اليسرى التى علّمتنى أن الاختلاف ليس نقصًا، بل نعمة وتميّزًا. فهو اليوم العالمى لمستخدمى اليد اليسرى. ثلاث مناسبات، تبدو متباعدة، لكنها فى داخلى خيط واحد.

علَّمنى أبى أن قيمة الإنسان بما يمنح. ترك لى ميراثًا لا ينفد: احترام الإنسان، والانحياز إلى الجمال، وعدم كراهية أى إنسان، مهما اختلف. علَّمنى أن أختلف دون بغض، وأن أدافع عن الحق دون جرح. وحين غاب، اكتشفت أن الآباء لا يرحلون، بل يتحولون إلى ضمير حى يسير إلى جوارنا.

بعد رحيل أبى، جاء «سمير الإسكندرانى» ليضيف إلى حياتى معنى آخر للأبوة. سافرنا معًا فى مؤتمرات فكرية وفنية، فعرفتُ فيه سفيرًا مشرقًا للوطن: فنًّا ووعيًّا ووطنيةً وخفّة ظل. كان يدخل صالون «فاطمة ناعوت» يغنى، ويُعلّم، ويمازح، ويُصغى، ويمنح الشباب من خبرته وفنّه لآلئ وجواهرَ. لم يكن حضوره يملأ القاعة فحسب، بل يملأ الأرواح طمأنينة وفرحًا.

كان يعرف كيف يجعل الثقافة احتفالًا، لا وجبةً ثقيلة الهضم. لم يكن مجرد ضيف دائم على الصالون، بل أحد أعمدته الروحية. ومع رحيله شعرت أن مقعده سيظل شاغرًا مهما جلس عليه آخرون، فتوقّف نبضُ الصالون مع توقّف نبض قلبه.

أما المناسبة الثالثة، فقد تبدو أقل شأنًا لمن لا يعرف حكاية العُسر مع اليد اليسرى. وُلدتُ عسراء. أو كما نقول فى مصر: «شُوْلة». كبرت فى زمن كان كثيرون ينظرون إلى اليد اليسرى باعتبارها خطأ ينبغى إصلاحه. حاولت أمى «معالجتى» من عُسرى، لكنها قرأت عن اختلاف نشاط فَصّى الدماغ، بين العُسر والأيامن: الذين يستخدمون اليمنى مثل معظم البشر. وحين نضجتُ قرأتُ عن تاريخ التحيز ضد مستخدمى اليد اليسرى، وكيف حملت لغات العالم هذا الظلم فى مفرداتها، بينما أثبت العلم أن العُسر اختلاف طبيعى. بل إن كثيرًا من عظماء العلماء والفنانين والأدباء والرياضيين كانوا من مستخدمى اليد اليسرى. منهم: «مارى كورى»، «بيل جيتس»، «نيكولا تسلا»، «ليوناردو دافنشى»، «بيكاسو»، «مايكل أنجلو»، «تشارلى شابلن»، «مارك توين»، «محمد صلاح»، «ليونيل ميسى»، «مارادونا»، «مارتينا نافراتيلوفا»، وغيرهم الكثير.

لهذا أشعر أن يدى اليسرى تذكيرٌ يومى بأن على المجتمع احترام «المختلف»، وأن المختلف لا يحتاج إلى الاعتذار عن اختلافه، بل إلى أن يحسن استثمار اختلافه.

وحين أجمعُ الخيوط الثلاثة، أكتشف أن بينها نسبًا خفيًا. أبى علَّمنى ألا أكره المختلف. «سمير الإسكندرانى» علَّمنى أن أحتفى بالمختلف. ويدى اليسرى علَّمتنى أن أعيش باختلافى دون خوف، وأن أحترم وأحب اختلاف ابنى المتوحّد «عمر»، وأشكر الله عليه كل يوم.
كانت مصادفة موجعة وعجيبة أن أفقد أبى الروحى فى نفس ذكرى رحيل أبى. وكأن القدر اختار يومًا واحدًا ليجمع لى أوجاعًا ورسائلَ وجودية ثلاثة. أحبب دون شرط، لا تقاوم طبيعتك، ولا تخن قيمك، ولا تبخل بمحبتك على الجميع، واحترم المختلف، فقد يكون أعلى منك كعبًا، ولله أقربَ. الثلاثة كانوا انتصارًا للفطرة. انتصارًا للبساطة التى لا تعرف الادعاء، وللجمال الذى لا يحتاج إلى ضجيج، وللحرية التى تبدأ من التصالح مع النفس، والآخر.

فى ١٣ أغسطس، لا أكتفى بالحزن على من رحلوا، بل أراجع ما تركوه فىّ. أسأل نفسى: هل ما زلتُ وفيَّةً لما غرسه أبى فى قلبى من قيم؟ وهل ما زلت قادرة على حمل البهجة والحب اللذين تعلَّمتهما من «سمير الإسكندرانى»؟ وهل ما زلتُ أدافع عن حقى فى أن أكون نفسى، وأدافع عن كل مختلف، كما دافعت يومًا عن حقى فى أن أكون عسراء؟ فى مثل ذلك اليوم، أعيد تذكير نفسى بأن على الإنسان ألا يُعدّد الذين رحلوا من حياته وتركوا فى قلبه جروحًا لا تبرأ، بل عليه أن يُعدّد الذين ما زالوا يعيشون فيه، يتنفسون ويحاورون ويُعلّمون.

أبى يعيش فى ضميرى، ولا يبرحنى لحظة. «سمير الإسكندرانى» يملأ بيتى شدوًا وموسيقى وفرحًا. وأما يدى اليسرى فما زالت تكتب. تكتبُ عن الإنسان، وعن المحبة، وعن قيم الحق والعدل والجمال، وتكتب عن الله الذى أوصانا بكل ما سبق.

مقام السؤال:

تُرى، لو خلقنا الله متشابهين، فما الشاهدُ على عبقرية الخالق فى التنوّع، الذى هو إحدى لغات الجمال؟ لو تشابهنا جميعًا، هل كان للحب أن يختار، وللعقل أن يكتشف، وللروح أن تندهش؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبى وأبى ويدى اليسرى أبى وأبى ويدى اليسرى



GMT 22:55 2026 الإثنين ,17 آب / أغسطس

حسام وزوجته والشيطان ثالثهما!!

GMT 22:53 2026 الإثنين ,17 آب / أغسطس

جراحة لعلاج ألزهايمر

GMT 22:53 2026 الإثنين ,17 آب / أغسطس

ولمّا أشوف حد يحبك

GMT 22:52 2026 الإثنين ,17 آب / أغسطس

الحاخام.. والخنزير

GMT 22:50 2026 الإثنين ,17 آب / أغسطس

ليست كلها ترفيها

GMT 22:50 2026 الإثنين ,17 آب / أغسطس

المكانة لا يصنعها الساحل

GMT 22:49 2026 الإثنين ,17 آب / أغسطس

التصعيد …!

GMT 22:47 2026 الإثنين ,17 آب / أغسطس

عصر المهارات

فساتين لافتة في حفلات نجمات الغناء هذا الأسبوع

القاهرة - صوت الإمارات
شهد هذا الأسبوع لحظات فنية وإطلالات لافتة لعدد من نجمات الغناء، حيث ارتبطت خيارات الأزياء بالعودة إلى المسارح الكبرى والأمسيات الغنائية؛ فجمعت الإطلالات بين الفساتين الرومانسية الهادئة والتصاميم الفاخرة ذات الطابع المسرحي. تألقت شيرين عبد الوهاب في حفل عودتها الجماهيرية على مسرح "بورتو جولف العلمين" بفستان طويل باللون الأزرق الفاتح من دار "Needle & Thread"، تميز بتطريزات أنيقة، وأكمام قصيرة منسدلة، وطبقات من الكشكش المتتالي، إضافة إلى فيونكة بارزة عند الصدر أضفت لمسة شبابية، حيث اعتمدت تسريحة شعر بتموجات عفوية ومكياجاً ناعماً أبرز حضورها العفوي المريح. وفي المقابل، أطلت ميادة الحناوي في عودتها لمهرجان قرطاج الدولي بفستان أزرق فاخر من تصميم منال عجاج، جاء بأكمام طويلة شفافة ومطرزة، مع وردة ثلاثية الأبعاد على الك...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 06:24 2018 الثلاثاء ,10 إبريل / نيسان

الإفراج عن سلمان خان بكفالة بعد حبسه لمدة يومين

GMT 07:25 2017 الأحد ,15 تشرين الأول / أكتوبر

أتلتيكو مدريد يُوقِف قطار برشلونة بالتعادل الإيجابي

GMT 17:21 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

دراسة تسلط الضوء على "سكري الحمل" ووفاة الطفل أثناء الولادة

GMT 14:42 2019 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

اختفاء أيقونة قديمة تعود للقرن الـ17 مِن مُتحف في موسكو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates