بقلم: عمرو الشوبكي
حواديت الساحل ليست كلها للنميمة والترفيه، إنما تعكس أيضا غياب للقواعد والقوانين وإن قاعدة كل واحد يمكن أن يعمل ما يريد المطبقة فى كثير من أحياء القاهرة من «تكاتك» بلا رادع وميكروباصات بلا ضوابط و«طيارين» بلا كوابح أخذت أشكالا مختلفة فى «أقصى أقاصى» قرى الساحل الشمالى.
وقد استرعى انتباهى ما أشارت إليه أستاذه الاقتصاد المرموقة علياء المهدى على صفحتها العلنية على «الفيسبوك» عن دهشتها من قيام بعض الشباب والشبات بدخول مطاعم فى إحدى قرى الساحل الشمالى «بالمايوه» وهو ما لم تره فى كثير من البلدان الأوروبية التى زارتها، ورأيت أحد التعليقات خارج دائرة أصدقائها وظهر عندى بالمصادفة يقول كيف لها وهى أستاذة جامعية زارت بلادا أوروبية كثيرة أن تقول ذلك على اعتبار أن فى أوروبا «كل شيء مباح»،
والحقيقة أن ما قالته الدكتورة المهدى هو عين الصواب وإن كثيرا من المدن الساحلية الكبرى تمنع الخروج بزى البحر إلى الشوارع والمطاعم، حتى لو كانت فى محيط الشاطئ، وإن بلدية مدينة ساحلية وسياحية كبرى مثل نيس أصدرت عام ١٩٩٩ قرارا بمنع السير فى الشوارع بالمايوه أو السير عارى الصدر (torse nu)، بالنسبة للرجال والنساء والخروج من منطقة الشاطئ إلى الشوارع والمناطق الحضرية بملابس السباحة، بل واستخدمت البلدية تعبير أو شرط ارتداء ملابس لائقة (tenue décente) ومراعاه اللياقة، وهى تعبيرات لازالت تستخدم فى واحد من أكثر المجتمعات ليبرالية وانفتاحا فى العالم وهى فرنسا، لأن القضية هنا انتقلت من احترام الخصوصية إلى احترام الذوق والمظهر العام. بل إن الأمر لم يتوقف على المنع إنما فرض غرامة على المخالفين تقدر بـ ٣٥ يورو.
صحيح أن القرار يطبق بشكل متحضر وليس هدفه الجباية وجمع المال إنما مراعاة الذوق العام واللياقة فيوقف الشرطى الشخص ويطلب منه الالتزام بالقواعد قبل تطبيق الغرامة.
وأتذكر أنى زرت هذه المدنية فى بدايات تطبيق هذه القواعد وشهدت قيام شرطة البلدية بتطبيقها على مجموعة من السياح الإنجليز فى منطقة نزهة الإنجليز الـPromenade des Anglais الشهيرة فى مدنية نيس، والتى سبق أن شهدت حادثة دهس بشعة منذ 10 سنوات، وطلب منهم ارتداء قمصان وقبلوا، فيما عدا على ما أتذكر واحدا قبل النصيحة ثم عاد بعد دخوله المطعم وخلع قميصه فدفع الغرامة.
والمعروف أن السياحة هى مصدر أساسى لدخل المدينة والسياح الإنجليز يعتبرون أن نيس أحد مقاصدهم الأولى سياحيا ومع ذلك لم تقل المدينة أعطوهم استثناءات واقبلوا مخالفاتهم لأنهم يدفعون بالجنيه الإسترلينى.
يقينا المجتمعات الأوروبية أكثر تحررا من مجتمعات معظم هؤلاء الشباب الذين نشاهدهم فى الساحل وبعض مناطق القاهرة، ولكن عشق المظاهر الكذابة وعدم مراعاة الذوق العام وغياب القواعد يجعلنا نزايد فى الشكل حتى على البلدان الأوروبية.