ثورة الإصلاح

ثورة الإصلاح...؟!

ثورة الإصلاح...؟!

 صوت الإمارات -

ثورة الإصلاح

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

المشهد العربي فيه الكثير الذي لا يسر، وفي المقدمة تأتي حرب غزة الخامسة بكل ما فيها من إبادة وعنف وتهديد بأشكال مختلفة من النكبات، والأكثر خطورة تحول الفاجعة إلى حرب إقليمية مروعة. ولكن حرب غزة ليست كل المشهد وإن كانت مقدمته بكل ما كان للقضية الفلسطينية من وجود تاريخي، وربما كان لوضعها «الجيوسياسي» في قلب الإقليم العربي حساسية وأولوية خاصة.

وإذا كانت الدماء والتشريد والهجرة والدمار بأشكاله المختلفة تمثل شهادة على التدهور القاسي للأوضاع، فإن الظاهرة شائعة بقوة في السودان، حيث توجد أكبر شهادة على سخافة أوضاع نجمت عن انشقاق في الجيش الوطني. حزمة الأوضاع المأساوية تظل كما هي من دون تغيير، وتاريخياً وفي إطار النزاعات المقارنة، فإن المأساة السودانية سواء كانت في الجنوب أو في دارفور أو في مناطق أخرى، كانت دائماً من حيث الأرقام على قمة منازعات وصراعات الإقليم. دفع السودان ثمناً إضافياً بانقسامه إلى دولتين، ما لبث أن عرفت كلتاهما حروباً أهلية خاصة متقطعة كانت أو مستمرة. المشاهد السورية واليمنية من منتجات ما سمي «الربيع العربي» عرفت مئات الألوف من القتلى والجرحى، والمدن المدمرة، والتدخلات الإقليمية والدولية والكثير من الموجات الإرهابية الظاهرة والكامنة. وفي الفترة الزمنية الأخيرة استقرت الشواهد في دول عربية على تحولها إلى ميليشيات تتحدث باسمها، وتمارس حرباً، مثل الحوثيين ضد الملاحة والتجارة العالمية.

لا توجد وصفة أو طريقة علمية لتحليل المشهد وفك ألغازه، إلا من خلال مراجعة الفشل الذي طرأ على الدولة العربية المعاصرة، التي بعد حصولها على الاستقلال لم تعد تعرف ماذا سوف تفعل بهذه الحالة التي نالت فيها الحرية واستقلال القرار بعيداً من الدولة الاستعمارية، أو بعد تغيير نظم الحكم «الرجعية»، أو أياً ما كان سبب التخلف والاستعباد الماضي. المراجعة تفضي إلى غياب مشروع وطني إصلاحي يقوم ببناء الدولة بمؤسساتها، وتغذية هويتها الوطنية، وإقامة اقتصاد، وتنمية إقليم الدولة، وتوفير القدر الأكبر للمشاركة من قبل الأجيال الجديدة التي بالنسبة لها كان الاستعمار ذكرى قديمة. ومع هذا الغياب فإن التعلق بالحالة الصراعية مع الاستعمار واستمرارها تحت مسميات الغرب أو «العولمة» أو «الاستعمار الجديد»، وفي أوقات كثيرة الأسر داخل دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، حيث لا فكاك ولا خلاص، وبالتأكيد لا نصر ولا هزيمة وإنما استمرار حالة اللاحرب واللاسلم. الطريقة الممكنة لفهم ما يجري تتم من خلال المقارنة ما بين الدول التي دخلت إلى شباك عنكبوت العنف الأهلي والتدهور المؤسسي والشفقة الدولية، والدول التي حافظت على بقائها بوصفها دولة؛ وما لا يقل أهمية أنه بعد البقاء شرعت في عمليات إصلاحية واسعة النطاق خلال السنوات العشر الأخيرة لم يكن متصوراً حدوثها من قبلُ.

«التجربة المصرية» تُقدّم مسارات كثيرة للتفكير لما وصلنا إليه الآن من بدايةٍ للإصلاح، فمن ناحية فإن مصر توافرت لها كل مقومات الدولة (شعب كونته رابطة النيل، وأرض لا تزال حدودها الحالية كما كانت لم تتغير، وسلطة مركزية لم تفلت منها حرب أهلية) منذ أزمنة سحيقة جاءتها فيها وذهبت غزوات استعمارية ذاب بعضها في الداخل، وجاء وقت رحيلها إلى حيث جاءت. الدولة المصرية الحديثة كما هو مؤرخ، بدأت مع محمد علي، وعلى مدى القرن التاسع عشر زادت كل مقومات الدولة، وزادت قيمتها الاستراتيجية مع شق قناة السويس، وربما كان الأهم من ذلك كله أن بعثات والي مصر إلى الخارج خصوصاً 324 مبعوثاً شكّلت النواة الأولى لنخبة مصر المعاصرة التي تراوحت ما بين الراديكالية الثورية، والإصلاح التدريجي والتراكمي.

لا توجد نية هنا لسرد التاريخ المصري، وإنما التأكيد على أن التوتر والجدلية كانا قائمين بين تيارات راديكالية (دينية أو يسارية أو ليبرالية) ترغب في تغييرات جذرية، وتيارات أخرى إصلاحية تريد البناء والتراكم التدريجي، وكلاهما كان موجوداً طوال القرن العشرين.

وعندما حل القرن الحادي والعشرون ظهرت معالم عدم الاستقرار، وفي مصر وحدها كان عدد مرات وأشكال الاحتجاج الجارية في عام 2004 حوالي 222، وقفزت إلى 690 في عام 2009، وفي 2010 بلغ متوسط الحركات الاحتجاجية خمسة يومياً. وهكذا لم تكن الثورة بعيدة منطقياً، ولكن التعامل معها جرى وفق منهجين، أحدهما إصلاحي والآخر محافظ. كان الإصلاحيون يرون أنه من الممكن تفادي الثورة إذا ما سبقت السلطات الحاكمة «منحنى» الغضب المتراكم من خلال إصلاحات جدية سياسية واقتصادية، ووجود مشروع وطني متكامل لبناء الدولة من جديد. المحافظون على العكس تراوحوا ما بين بقاء الأوضاع القائمة على ما هي عليه، وما بين الثورة التي حدثت بالفعل وانتهت إلى تسليم البلاد إلى «الإخوان المسلمين» الذين كانوا يريدون دولة إيرانية الطابع. ما حدث بعد ذلك كان ربما أسرع انهيار لدولة «الإخوان» بعد عام واحد، وكان ذلك راجعاً لثورة شعبية كاسحة، والدور المهم الذي تلعبه القوات المسلحة في الدولة المصرية عبر قرنين. صمدت أعمدة الدولة ومنعت ما جرى في بلدان أخرى حيث الحروب الأهلية الأبدية، وأحياناً العجز عن قيام الدولة من الأصل كما حدث في الحالة الفلسطينية. السنوات العشر الماضية شهدت أولاً تثبيت أركان الدولة ومؤسساتها وآلياتها، وثانياً ظهور المشروع الوطني المصري، وتطبيقه وتنفيذه من خلال «رؤية مصر 2030»، هذا المشروع الذي نقل مصر تدريجياً من النهر إلى البحر في نقلة ثورية بامتياز، وثالثاً مواجهة أزمات الإرهاب، و«كورونا»، والآثار الاقتصادية للحروب الإقليمية والدولية. كان لدى مصر مخزون هائل من الهوية الوطنية، وتقاليد الدولة، و«المشروع الوطني»، ما يكفي ليس فقط لإنقاذ الدولة في لحظات الضغط والتفكيك والانقسام... وكلها تشكل الشروط التي تحتاجها الدول العربية وتحافظ عليها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثورة الإصلاح ثورة الإصلاح



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 22:52 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حمزة عبدالكريم يمثل مصر في سباق أفضل لاعب شاب بأفريقيا 2026
 صوت الإمارات - حمزة عبدالكريم يمثل مصر في سباق أفضل لاعب شاب بأفريقيا 2026

GMT 23:23 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

طريقة تحضير كيك القهوة بطبقات كريمية غنية

GMT 03:33 2020 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

تعرف علي أفضل طرق تعقيم الكنب

GMT 11:28 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

غادة عادل تبدأ تصوير مشاهدها في فيلم "العفريت"

GMT 00:07 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هيفاء وهبي أصبحت مادة إعلامية خصبة بعد أزمة "ثانية واحدة"

GMT 04:26 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:19 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

"بيتكوين" تسجل أكبر انخفاض شهري لها خلال 7 سنوات

GMT 08:22 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

بريدراج مياتوفيتش يُؤكّد أنّ إيسكو تحوَّل إلى لا شيء

GMT 02:26 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

عسكر يستقبل شويطر وشرفي ويؤكد اهتمام الأولمبية البحرينية

GMT 16:36 2018 الثلاثاء ,17 إبريل / نيسان

تجنبي تلك الأخطاء في تصميم ستائرغرف نوم المنازل

GMT 18:45 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

أدوار مراكز التفكير ومهامها
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates