ما بعد دافوس من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

 صوت الإمارات -

ما بعد دافوس من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في دافوس مجرّد حلقة أخرى في أسلوبه الاستفزازي المعروف، ولا واقعة يمكن ردّها إلى سمات شخصية لرئيس غير تقليدي. ما جرى في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام كان أقرب إلى لحظة كاشفة، تُعلن -بهدوء قاسٍ- أن النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة لم يعد يعمل وفق مسلّماته القديمة، وأن شبكة التحالفات التي حكمت علاقة الولايات المتحدة بحلفائها تمرّ بمرحلة إعادة تعريف عميقة.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تقم القيادة الأميركية على التفوق العسكري وحده، بل على معادلة أكثر تركيباً: قوة صلبة كبيرة، محاطة بشرعية سياسية، ومؤطرة بشبكة مؤسسات وتحالفات تُشعر الشركاء بأنهم جزء من نظام لا مجرد أطراف خاضعة له. هذا النموذج سمح بتأجيل منطق «توازن القوى» الكلاسيكي، لأن الهيمنة الأميركية بدت -في نظر كثيرين- مقيّدة، ويمكن التنبؤ بها، وأقل تهديداً من بدائلها.

ما كشف عنه منتدى دافوس 2026 هو أن هذه المعادلة لم تعد مُسلَّماً بها. فحين يطرح الرئيس الأميركي، من على منصة دولية، فكرة «مفاوضات فورية للاستحواذ على غرينلاند»، ويُقرنها بلغة تلميحية عن الامتنان أو «التذكّر»، فإن الإشارة لا تتعلّق بالجزيرة بحد ذاتها، بل بالتصور الجديد للعلاقة بين القوة والسيادة. هنا لا تعود السيادة مبدأً ثابتاً، بل متغيراً تفاوضياً خاضعاً لميزان القوة.

الأهمية التحليلية لهذه اللحظة لا تكمن في جرأة الطرح، بل في السياق الذي قُدِّم فيه. فدافوس تقليدياً هو فضاء الطمأنة: حيث تُدار الخلافات الكبرى بلغة محسوبة، وتُخفَّف الصدمات عبر الخطاب المؤسسي. أن يتحوّل هذا الفضاء إلى مسرح اختبار علني لقدرة الولايات المتحدة على الضغط على أقرب حلفائها، فذلك يعكس تحوّلاً أعمق في فلسفة القيادة، لا مجرد تكتيك تفاوضي عابر.

من منظورٍ نظري، يمكن فهم ما يحدث عبر ثلاث عدسات متداخلة: الأولى هي عدسة «تآكل الشرعية». فالقوة، وفق التقليد الواقعي الكلاسيكي، لا تكون مُهدِّدة فقط بحجمها، بل بطريقة استخدامها. ما يقلق الحلفاء اليوم ليس أن الولايات المتحدة قوية، بل أن هذه القوة باتت تُمارَس من دون الإطار الأخلاقي والمؤسسي الذي اعتادوا عليه. هذا ما يفسّر الصدمة الأوروبية: فالتصريحات المتعلقة بحلف شمال الأطلسي، والتشكيك في منطق التضامن المتبادل، تضرب في صميم الافتراض الذي بُني عليه الأمن الأوروبي لعقود.

العدسة الثانية هي «التحول من القيادة إلى المعاملات». كما يشير فريد زكريا في قراءاته، فإن النموذج الأميركي التاريخي قام على جعل الآخرين يرغبون في العمل مع واشنطن. أما النموذج الجديد، فيميل إلى اختزال العلاقات في حسابات تكلفة وعوائد فورية: مَن يدفع أكثر؟ مَن يستفيد أكثر؟ هذا المنطق قد يكون فعالاً في صفقات قصيرة الأجل، لكنه يُضعف الثقة اللازمة لبناء نفوذ طويل المدى، ويحوّل الامتثال إلى حالة مؤقتة لا شراكة مستدامة.

أما العدسة الثالثة فهي «عودة منطق توازن التهديد». في هذا الإطار، لا تعيد الدول حساباتها فقط عندما تتغير موازين القوة، بل عندما تتغير تصورات النيّات. أوروبا، وكندا، وحتى قوى متوسطة أخرى، لا تتحرك ضد الولايات المتحدة، لكنها بدأت تفكّر بكيفية تقليص الاعتماد الأحادي عليها. هذا ما يفسّر اللغة الجديدة التي ظهرت في دافوس، سواء في الخطاب الأوروبي الحذر، أو في الطرح الكندي الذي دعا إلى بناء تحالفات مرنة، قضيةً بقضية، بدل الارتهان لمسار واحد.

خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني جاء هنا بوصفه تعبيراً عن هذا التحول، لا بوصفه محور الحدث. فجوهر خطابه لم يكن مواجهة واشنطن، بل الإقرار بأن «النظام القائم على القواعد» لم يكن يوماً مثالياً، لكنه كان يعمل لأن الجميع التزم -ولو جزئياً- بصيانته. ومع تراجع هذا الالتزام، يصبح على القوى المتوسطة أن تبحث عن أشكال جديدة من التعاون تحمي مصالحها من دون أن تنزلق إلى عالم «الحصون المغلقة».

الأهم أن هذا النقاش لا يقتصر على أوروبا وشمال الأطلسي. دلالاته تمتد بوضوح إلى الشرق الأوسط. فالمنطقة، التي خبرت لعقود نمطاً ثابتاً من الحضور الأميركي، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة: الولايات المتحدة حاضرة بقوتها، لكنها أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ميلاً إلى الربط المباشر بين النفوذ والمكاسب الآنيّة. هذا يفرض على دول المنطقة مقاربةً أكثر براغماتية وأقل اعتماداً على الضمانات التقليدية.

بالنسبة إلى الشرق الأوسط، لا يعني ذلك القطيعة مع واشنطن، ولا استبدال تحالف بآخر، بل إدراك أن العلاقة مع قوة عظمى تمرّ بمرحلة إعادة تعريف. التعامل مع إدارة تتبنى منطق الصفقات يتطلب تنويع الشراكات، وبناء أوراق قوة ذاتية، وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية. فالدرس الذي استخلصه الأوروبيون في دافوس -وهو أن الاعتماد الأحادي يخلق هشاشة استراتيجية- ينطبق على المنطقة بدرجات متفاوتة.

بهذا المعنى، خطاب ترمب في دافوس لم يكن إنذاراً باضطراب سببه شخص واحد، بل علامة على مرحلة تاريخية تتراجع فيها اليقينيات الليبرالية. التحدي الحقيقي أمام الدول اليوم -في أوروبا والشرق الأوسط والعالم- ليس كيفية التعامل مع خطاب بعينه، بل كيفية التكيّف مع نظام دولي يُعاد تشكيله أمام أعيننا، حيث لم تعد القواعد القديمة كافية، ولا الثقة الموروثة مضمونة، في عالم يمضي بخطى ثابتة نحو تعددية أكثر تنافساً وأقل طمأنة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما بعد دافوس من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر ما بعد دافوس من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

الملكة رانيا تثير الإعجاب بإطلالاتها الرسمية وتبدع في تنسيق الفستان الكلاسيكي

باريس - صوت الإمارات
على مدار أسبوعين أطلت الملكة رانيا بأناقة كلاسيكية راقية، اتسمت بطابع ملكي هادئ ووقور، حيث اختارت ملكة الأردن تشكيلة من الإطلالات المميزة للتألق في جولتها الأوروبية، فضلت فيها الفساتين الكلاسيكية الأنيقة بقصات أنثوية، بين الألوان الهادئة والقوية، نسقتها جميعها بأسلوب غير متكلف ولكنها لم تفشل في جذب الأنظار كعادتها، لذلك نشارك معكم تفاصيل اختيارات الملكة رانيا، بفساتين راقية رافقتها في لقاءاتها الرسمية في مختلف الدول الأوروبية، والتي ذكرتنا بأسلوبها الملكي الراقي في تنسيق الفساتين الكلاسيكية. أحدث ظهور للملكة رانيا في براغ برفقة الملك عبدالله كان خاطفا للأنظار، حيث ارتدت ملكة الأردن فستانا بسيطا وهادئا باللون الأزرق، من توقيع Emilia wickstead، جاء بطول ميدي وأكمام قصيرة مع الياقة المثنية والخصر المحدد، مع أطراف متفتحة بالث...المزيد

GMT 20:04 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

ميلوني تعلن 4 تغييرات جديدة في المدارس الإيطالية
 صوت الإمارات - ميلوني تعلن 4 تغييرات جديدة في المدارس الإيطالية

GMT 19:49 2019 الخميس ,12 أيلول / سبتمبر

تشعر بالغضب لحصول التباس أو انفعال شديد

GMT 17:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 20:42 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

12 دولة تبحث إصلاح منظمة التجارة العالمية

GMT 00:42 2013 الأحد ,01 كانون الأول / ديسمبر

تخصيص 216ألف متر لإنشاء 3آلاف وحدة سكنية بشمال الغردقة

GMT 23:22 2022 الخميس ,22 كانون الأول / ديسمبر

إيران بين تخبط النظام وثورة الشارع!

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 17:01 2019 الأحد ,11 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 15:55 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ولي عهد الشارقة يطلق «جائزة للابتكار»

GMT 22:12 2019 الإثنين ,12 آب / أغسطس

سعر الذهب يتماسك بفضل مخاوف التجارة والنمو

GMT 09:42 2018 الثلاثاء ,26 حزيران / يونيو

مكتوم بن محمد يحضر أفراح القرقاوي والمضرب

GMT 02:50 2017 الجمعة ,31 آذار/ مارس

كاسات الآيس كريم بالفاكهة

GMT 17:18 2020 الجمعة ,11 كانون الأول / ديسمبر

أبرز ديكورات مطابخ جذَّابة وجريئة باللون الأسود لعام 2021

GMT 14:37 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

خبير تغذية يكشف عن فوائد القهوة في إنقاص الوزن
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates