بقلم:خالد منتصر
نشر صديقى جراح التجميل الشهير والأستاذ بقصر العينى د هشام المناوى خبراً عن جراح تجميل زميله فى الصين توصل لجراحة مبشرة ستساهم فى علاج ألزهايمر، وأشار فى البوست الذى نشره على الفيسبوك إلى المجلة العلمية وعنوان ورابط الدراسة، أثار الخبر فضولى، ودخلت على رابط المجلة، فأنا دائماً أقول الوحيد الذى سيستحق أكثر من نوبل هو الذى سيكتشف علاج ألزهايمر، الذى أصفه بالأخطر، حتى الأخطر من السرطان، لكن ما هى القصة ببساطة؟.
فلنتخيل أن المخ ليس مجرد شبكة من الخلايا العصبية، بل مدينة هائلة تعمل ليل نهار، تنتج الأفكار والذكريات وتتحكم فى المشاعر والعواطف، وفى الوقت نفسه تنتج نفايات بيولوجية يجب التخلص منها، لسنوات طويلة كنا نعرف الكثير عن كيفية وصول الدم إلى المخ، لكننا لم نكن نفهم جيداً كيف يتخلص المخ من تلك المخلفات، اليوم، هذه المنطقة الغامضة أصبحت فى قلب واحدة من أكثر الأفكار إثارة للجدل فى علاج ألزهايمر، نشرت مجلة Nature فى ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ تحقيقاً علمياً عن جراحة جديدة نسبياً تسمى Deep Cervical Lymphatic-Venous Anastomosis (dcLVA)، أى توصيل الأوعية الليمفاوية العميقة فى الرقبة بأوردة صغيرة، بهدف تحسين تصريف السوائل والمخلفات القادمة من المخ، والمثير أن الجراحة أثارت ضجة فى الصين بعد انتشار مقاطع لمرضى بدوا أكثر يقظة وقدرة على الكلام والتعرف على أقاربهم بعد العملية، لكن Nature نفسها تصف الجراحة بأنها «مثيرة للجدل»، وليست علاجاً مثبتاً لألزهايمر، الفكرة وراءها تستحق التأمل، المخ لديه نظام للتخلص من الفضلات يرتبط بما يسمى الجهاز الجليمفاوى Glymphatic system وبالأوعية الليمفاوية الموجودة فى أغشية المخ، وقد ساعدت أبحاث خلال العقد الماضى على إثبات أن هذه المسارات تشارك فى التخلص من مواد تتراكم فى ألزهايمر، وعلى رأسها بروتينات بيتا أميلويد وتاو، ومن هنا ظهر السؤال: ماذا لو كان جزء من مشكلة ألزهايمر ليس فقط زيادة إنتاج هذه البروتينات، وإنما أيضاً ضعف التخلص منها؟، الجراحون الصينيون حاولوا إذن عمل ما يشبه «تحويلة صرف»، تحت الميكروسكوب الجراحى يتم توصيل أوعية ليمفاوية دقيقة فى الرقبة بأوردة مجاورة، على أمل تسهيل خروج المخلفات من الجهاز العصبى إلى الدورة الدموية.
قالوا: نحن لا ندخل إلى المخ نفسه ولا نستأصل جزءاً منه؛ العملية الأساسية تتم فى الرقبة، والنتائج الأولية مثيرة بالفعل. ففى دراسة مستقبلية نُشرت عام ٢٠٢٦ وشملت ١٣٩ مريضاً بألزهايمر شديد، حدث تحسن متواضع فى اختبارات الحالة العقلية، مع تحسن فى بعض مؤشرات النشاط اليومى والأعراض النفسية والسلوكية خلال متابعة وصلت إلى ستة أشهر، كما حدثت تغيرات فى مستويات الأميلويد وتاو فى السائل النخاعى والدم، أما الجراح الصينى الذى يقصده د المناوى فهو Wei F. Chen جرّاح تجميل وترميم وSupermicrosurgery، ويعمل فى Cleveland Clinic – Center for Lymphedema Research and Reconstruction فى أوهايو، وهو من أبرز من طرحوا مبكرًا العلاقة بين اضطراب الجهاز الليمفاوى والخلل الإدراكى، ثم فكرة استخدام إعادة بناء التصريف الليمفاوى كمدخل محتمل لعلاج ألزهايمر.
وكانت النقطة المهمة جدًا هى أبحاث فريقه على مرضى primary lymphedema والتى وجدت نسبة مرتفعة من الاضطرابات المعرفية، ولاحظ الفريق تحسنًا فى الذاكرة والوضوح الذهنى لدى بعض المرضى بعد جراحات إعادة بناء الأوعية الليمفاوية، هذه الملاحظات ساهمت فى بناء الفرضية التى تربط التصريف الليمفاوى بالمخ وألزهايمر، لكن هنا يجب أن نضع فرامل الحماس، حتى لا يتخيل من يقرأنا الآن أن ألزهايمر قد تم علاجه، فالدراسة لم تكن تجربة عشوائية محكمة تقارن الجراحة بعملية وهمية أو بمجموعة ضابطة مماثلة، ولذلك لا يستطيع الباحثون حتى الآن أن يقولوا إن الجراحة هى التى صنعت التحسن، بل إن تجربة سريرية مسجلة تشير بوضوح إلى أن التحسن المبكر الذى شوهد عند بعض المرضى لم يكن دائماً، وأن العلماء ما زالوا يسألون: هل السبب فعلاً تحسين التصريف الليمفاوى؟ أم التخدير؟ أم تأثيرات على الأوعية أو الأعصاب الموجودة فى الرقبة؟
ولهذا بدأت تجارب أكبر وأكثر صرامة؛ منها تجربة CLEAN-AD التى تستهدف ٣٧٦ مريضاً وتقارن الجراحة بالرعاية المعتادة.، القصة إذن ليست «اكتشاف علاج يشفى ألزهايمر»، كما قد تصرخ عناوين السوشيال ميديا. القصة أجمل علمياً من ذلك: لقد تغير فهمنا للمخ نفسه. ربما لا يكون ألزهايمر مجرد مشكلة فيما يتراكم داخل المخ، بل أيضاً مشكلة فيما يفشل المخ فى التخلص منه.
إنها فكرة جريئة، ونتائجها الأولى تستحق الاهتمام، لكن المسافة بين ما هو مثير وما هو مثبت هى المسافة التى يصنع فيها العلم الحقيقى، وفى الطب، المعجزة لا تصبح علاجاً عندما نشاهد فيديو مدهشاً، بل عندما تنجو من أصعب امتحان وهو التجربة العلمية المحكمة، الجراحة هى أمل عظيم، لكنه ما زال يحتاج إلى المزيد من الأبحاث.