أبعد من ردّ عسكريّ

أبعد من ردّ عسكريّ!

أبعد من ردّ عسكريّ!

 صوت الإمارات -

أبعد من ردّ عسكريّ

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

تعاقبت الردود الإيرانيّة غير الموفّقة على مقتل قاسم سليماني ورفاقه. جنازته التي أريد لها أن تكون ردّاً جماهيريّاً مُدوّياً على الأميركيين انتهت إلى مأساة إنسانيّة. الصواريخ التي أُطلقت على موقعين عسكريين أميركيين لم تقتل أحداً. رواية الثمانين قتيلاً أميركيّاً التي عُممت وتلاها اتّهام واشنطن بإخفاء قتلاها، ما لبثت أن سُحبت من التداول. الحجج التي ذُكرت في التمييز بين قتل الجنود وإصابة المواقع أقنعت سامعيها بقدر اقتناع أصحابها بها. كارثة الطائرة المدنيّة الأوكرانيّة صار من شبه المؤكّد أنّها أهمّ ما أنجزته الصواريخ.
الردود الكلاميّة على الأميركيين كانت أقوى. اللسان بدا أنشط من الذراع. العبارات التي نُقلت عن المرشد علي خامنئي وعن بعض القادة العسكريين في إيران، والتصريحات الملتهبة التي أدلى بها صحافيّون وسياسيون و«استراتيجيّون» عرب تابعون لطهران، فاقت الصواريخ التعيسة صاروخيّة. لقد وعدتنا بردّ يُنهي الوجود الأميركي في المنطقة ويمهّد لما لا يقلّ عن تحرير فلسطين وإزالة الدولة العبريّة. بالمناسبة، كان هذا خطأ «تكتيكيّاً» فادحاً، إذ رَفَع سقف التوقّعات إلى حدّ يعجز أي ردّ جدّي عن اللحاق به. كيف، إذاً، والردّ لم يكن جدّيّاً؟
لقائل أن يقول: لكنّ إيران ستردّ بعد حين، وسوف يكون ردّها مؤلماً للأميركيين. ربّما. لكنّ ما حصل حتّى الآن، وقبله تراث الردود المشابهة التي عرفناها في تاريخ المنطقة الحديث، يقطعان بضرورة المراجعة لفكرة «الردّ». إنّها أبعد من عمل عسكري، فاشلاً كان أو ناجحاً. هي أبعد في الخلفيّات التي تتحكّم بها، وأبعد في النتائج التي تفضي إليها.
بلغة أخرى، ومنذ عشرات السنين، نحن موعودون بـ«ردّ» على الغرب وأميركا: «ردّ حضاريّ». «ردّ ثقافيّ». «ردّ اقتصاديّ». «ردّ سياسي وعسكريّ». البعض يريد أن يردّ على السنوات الإمبرياليّة في الـ150 سنة الأخيرة، وفي القلب منها نشأة إسرائيل عام 1948. بعض آخر تذهب به الرغبة إلى الحروب الصليبيّة والصراع على إسبانيا – الأندلس. التواريخ المختَلف عليها ليست مهمّة. الحماسة الجامعة هي المهمّة.
طلب «الردّ»، الذي تطمح الأعمال العسكريّة لأن تكون ترجمته التنفيذيّة، هو من أكثر الأفكار التي تناولها ودار عليها الفكر العربي والإسلامي منذ «عصر النهضة». مع هذا، لم يتحقّق أي نجاح حقيقي على أيٍّ من جبهات الردّ العتيد. ما حصل كان بالعكس تماماً: لقد بتنا أسوأ «حضاريّاً» وثقافيّاً وسياسياً واقتصادياً وعسكريّاً دفعة واحدة. التقهقر هو وحده ما يتقدّم.
هذا التثبّت عند الردّ مَرض مؤلم بما فيه الكفاية، إلاّ أنّه ناجم عن مرض آخر لا يقلّ إيلاماً وسطوة علينا: إنّه العجز عن استيعاب أسباب «تفوّق الغرب»، وبالتالي عن التعامل العقلاني مع هذا الواقع. إرجاع تلك الأسباب إلى «القوّة العسكريّة» أو إلى «النهب» أو إلى «المؤامرات» لا يمهّد لمثل ذاك الاستيعاب. إنّه يجعله أبعد وأصعب منالاً. ذاك أنّ ما لجأنا إليه هو تغييب شريط تاريخي مديد ومزدوج، يمتدّ، من جهة، من الثورة الزراعيّة فالثورة الصناعيّة وربط أجزاء العالم اقتصادياً، وصولاً إلى الثورة ما بعد الصناعيّة، كما يمتدّ، من جهة أخرى، من الإصلاحات الدينيّة والتنوير إلى الديمقراطيّة البرلمانيّة. هذا التغييب غيّبنا نحن، إذ لم يعمل لصالح إدراك أعلى لدينا، ولم يخدم عيشنا على نحو متصالح مع هذا العالم. لكنْ فيما اعتصمت شعوبنا بحبل الغضب الذي لا يسكّنه إلاّ «الردّ»، راح الحكّام يجنون ثمار الغضب و«الردّ» في آن معاً. أنظمة استبداد تعاقبت مسلّحة بشرعيّة هزيلة هي أنّها سوف «تردّ». في هذه الغضون، كانت المسافة تتّسع يوماً بيوم «بيننا» –نحن الذين سنردّ– و«بينهم» –هم الذين سنردّ عليهم. نظرة سريعة إلى التواريخ الكبرى في منطقتنا تُظهر أي شكل تتّخذه خريطة ردودنا على تنوّعها والاختلاف بينها: مع جمال عبد الناصر وصدّام حسين وحافظ الأسد والخميني وخامنئي، فضلاً عن «القاعدة» و«داعش». وجهة الانحطاط، انحطاطنا، التي سلكتها تلك الخريطة لا يرقى إليها الشكّ.
ولأنّ الردّ عزيز علينا إلى هذا الحدّ، فيما افتقارنا لأدواته فادح إلى هذا الحدّ، باتت التضحية بالبشر، انتحاراً أو نحراً، إحدى أهمّ صناعاتنا القليلة. بموجبها يموت الناس الموعودون بالردّ، ويغدو الزعماء الواعدون به أبطالاً تاريخيين.
إنّ ما حصل قبل أيّام قليلة بين الولايات المتّحدة وإيران يستحقّ أن يشكّل مناسبة أخرى تحضّ على مراجعة هذا الحصاد الرديء. فأنْ نتصالح مع هذا العالم، أنْ نعيش بشيء من السعادة فيه، أنْ نقلّل عدد من يموتون إرضاءً لتوقنا إلى الردّ، وإشباعاً لاستبداد من يقولون به، أمور تستحقّ وقفة تفكير.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبعد من ردّ عسكريّ أبعد من ردّ عسكريّ



GMT 00:26 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

من أجل موقف سعودي مصري بحري واحد

GMT 00:25 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

أتراك وألمان

GMT 00:25 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

الإرهاب الذي غيَّر شكله

GMT 00:24 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

... عن الأعطال العميقة التي تستولي علينا

GMT 00:23 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

اليمن... مواجهة لاستعادة الدولة

GMT 00:22 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

نتنياهو ومحاولات إلغاء اتفاق أوسلو

GMT 00:21 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

المحروسة.. والمملكة

GMT 00:20 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

حصار إيران

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت - صوت الإمارات
استعدت مجموعة من النجمات لفصل الخريف بتصاميم وإطلالات لافتة سيطرت عليها لمسات الدانتيل الفاخر، حيث ظهرن بأناقة استثنائية تناسب الأجواء الخريفية عبر حسابهاتهن على مواقع التواصل الاجتماعي. وتألقت النجمة اللبنانية هيفاء وهبي بفستان سهرة أسود طويل بأسلوب كلاسيكي دراماتيكي، مصنوع من قماش الدانتيل المطرز بحمالات رفيعة وقصة الكورسيه الضيقة والمحددة للجسم. وزُود الفستان بأكمام وقفازات طويلة من الدانتيل الأسود الشفاف، بينما حملت شالاً ضخماً من الريش الوردي الفاتح أضفى تبايناً جذاباً مع أقراط طويلة متدلية. وتألقت النجمة نجوى كرم بفستان عصري بطول يصل إلى الكاحل مصنوع من قماش الدانتيل المفرغ باللون البني الداكن فوق بطانة باللون النيود الشفاف، بتصميم مكشوف الأكتاف مع أكمام قصيرة منسدلة وفتحة صدر على شكل قلب وقصة كورسيه محددة لل...المزيد

GMT 20:07 2026 الأربعاء ,16 أيلول / سبتمبر

شريف منير يحسم موقفه من المشاركة في «سهر الليالي 2»
 صوت الإمارات - شريف منير يحسم موقفه من المشاركة في «سهر الليالي 2»

GMT 20:53 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 20:23 2014 الأحد ,31 آب / أغسطس

شاطئ مخصص للكلاب على ساحل منطقة روما

GMT 07:52 2014 الأحد ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مقتل 22 شخصًا بعد هطول أمطار غزيرة في نيكاراغوا

GMT 05:27 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

جونسون يؤكد أن سنغادر الاتحاد الأوروبي في 31 يناير

GMT 06:43 2018 الثلاثاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

"نيمار" منتخب السعودية قدم مباراة كبيرة أمام راقصي السامبا

GMT 12:19 2014 الخميس ,21 آب / أغسطس

24 ظاهرة مدهشة حول العالم تكشف روعة الأرض

GMT 03:06 2015 الجمعة ,13 شباط / فبراير

أسد يقتل حارسه في حديقة حيوانات في سيؤل

GMT 16:24 2017 الثلاثاء ,25 تموز / يوليو

"الظفرة إلى ربع نهائي "آسيوية الصالات

GMT 10:30 2013 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ارقام حكومية برازيلية تؤكد زيادة تدمير غابات الأمازون

GMT 18:34 2016 الإثنين ,04 إبريل / نيسان

مقتل عشرة أشخاص بصاعقة رعدية شمال باكستان

GMT 23:20 2018 الثلاثاء ,13 شباط / فبراير

إنجازات جديدة للاعب المصارعة جونسون "ذا روك"

GMT 05:52 2014 الإثنين ,01 كانون الأول / ديسمبر

هطول أمطار رعدية مصحوبة برياح نشطة على الرياض

GMT 15:18 2017 الأحد ,24 كانون الأول / ديسمبر

بريشة : عمر العبداللات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates