الإرهاب الذي غيَّر شكله

الإرهاب الذي غيَّر شكله

الإرهاب الذي غيَّر شكله

 صوت الإمارات -

الإرهاب الذي غيَّر شكله

بقلم : يوسف الديني

بعد 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، تابعتُ فيها كثيراً مما صدر حول معضلة الإرهاب، لا يمكن القول إنَّ العالمَ لم يتعلم الكثيرَ عن مكافحة الإرهاب. لكن الأمر هو أنَّ العالم عرف كثيراً عن هذا، فقد تطورت أجهزة الاستخبارات، وتم تشديد إجراءات السفر وقنوات التمويل بشكل كبير بفضل التتبع الرقمي، كما تطورت تقنيات المراقبة والتعقب والاستهداف بالصواريخ الدقيقة. ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تطورت مقاربة الإرهاب واستراتيجيات مكافحة التطرف بالنسق ذاته والكفاءة نفسها؟

أحسب أنَّ ثمة مشكلة تشمل جزءاً واسعاً من القطاعات البحثية ودوائر القرار الغربية، فيما يخص مسألة الإرهاب؛ حيث لا تزال تتعامل معه وفق صور نمطية مستلهَمة من حدث 11 سبتمبر: عناصر إرهابية قادمة من الخارج، تنتمي في معظمها إلى تنظيمات مصنَّفة على أسس مذهبية، تدربت في معسكرات معزولة. وعلى هذه الصورة النمطية شُيِّدت استراتيجية «الحرب على الإرهاب»، وأنتجت قوائم المراقبة والحروب خارج الحدود، واستهداف القيادات والرموز، والضربات الجوية حتى المجتمعات الصغيرة في الدول المنهارة، كما حدث في اليمن، فضلاً عن مشاريع تغيير الأنظمة السياسية، كما حدث في العراق وأفغانستان، وإعادة موضعة العلاقات مع الدول.

بمعنى آخر: تحول الإرهاب بعد 2001 من قضية أمنية فكرية إلى حرب استراتيجية كبرى، قبل أن تتراجع هذه المقاربة تدريجياً وتتلاشى، حتى وصلنا إلى نقطة مفصلية مع الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021، وعودة «طالبان» بعد عقود من الحرب عليها!

الحرب على الإرهاب حققت نجاحات مهمة؛ حيث تفككت هياكل تنظيمات كبرى، كما تمَّت تصفية أغلب رموزها وقياداتها من الصف الأول، حتى بات من الصعب تصور تنفيذ عملية بحجم وضخامة 11 سبتمبر، لأسباب لا علاقة لها بالتصدي للفكر المتطرف، ولا بالقضاء على تنظيم «القاعدة» بقدر ما ترتبط بتحولات السياق الأمني قبل 11 سبتمبر وبعده؛ ذلك الحدث الجلل الذي لا يزال إلى اليوم مغرياً بإصدار البحوث والكتب التحليلية، حتى بعد مرور 25 سنة على حدوثه.

في نظري، إنَّ النجاح العملياتي يُخفي مشكلات أعمق؛ خصوصاً مع حالة الفراغ التي تعقب لحظة إعلان نهاية المهمة بالقضاء على أحد القيادات، وترك إرث تلك التنظيمات وفكرها يعيدان إنتاجها من جديد، مستفيدين من خطاب المظلومية، وبالتالي فإنَّ «الجهادوية» لم تنتهِ؛ لا تنظيم «القاعدة» وأخواته، ولا تنظيم «داعش». فالأول أعاد تقديم حمزة بن لادن عبر تسجيل خاص بمناسبة 11 سبتمبر، والثاني لا تزال آلته الإعلامية متعددة اللغات تنتج بشكل دوري خطاباً يحاول الاستثمار في الفوضى، لإعادة التجنيد والاستقطاب، كما أنَّهما استطاعا تغيير الجغرافيا بعيداً عن مناطق التوتر المعتادة، لتنتقل المركزية إلى أفريقيا، وخصوصاً الساحل والصومال وغرب أفريقيا؛ حيث توفر هشاشة الدولة والنزاعات المحلية والحدود المفتوحة بيئات مناسبة لإعادة التموضع والتعبئة.

سقط نموذج الخلافة على الأرض، لينتقل إلى الأذهان والمخيال «الجهادوي»، ويعيد إنتاج نفسه عبر نصوص قيامية وملحمية تعبِّر عن نهاية الزمان.

الأكثر خطورة اليوم صعود نموذج آخر من العنف المنظَّم، كالمرتبط بـ«الحرس الثوري»، يتلبَّس شكل الدولة، مسنوداً بشبكة أذرع تتلبس مفهوم الدولة وأداءها. ومئات الميليشيات الخارجة على القانون ذات مرجعية طائفية مسيَّسة ومؤدلجة، مُنحت المال والسلاح والتدريب والقدرات الصاروخية والمُسيَّرات. هذا النموذج يستثمر اليوم في الفوضى، من خلال النفاذ عبر ثغرات التوصيف بين السياسة والتطرف والإرهاب.

وهنا ظهرت إحدى أكثر نقاط الضعف في المقاربة الدولية السابقة، حين كان من السهل التعرف إلى الإرهابي في كهفه أو معسكره أو من خلال انتسابه لتنظيم ما، بينما تعيش الميليشيات اليوم ككيانات داخل الدولة نفسها، ولكن بمنطقها تشارك في البرلمان، وتحتفظ بالسلاح خارج نطاق القانون، مستفيدةً من التقدم التكنولوجي؛ حيث الاتصالات المشفرة، والعملات الرقمية، والمُسيَّرات التجارية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، جعلت قدرات كانت حكراً على الدول أو التنظيمات الكبيرة متاحة لأفراد وشبكات صغيرة.

إرهابيو اليوم لا يحتاجون إلى جوازات سفر؛ لأنَّهم يمكن أن ينبتوا من داخل الدول التي تستطيع مراقبة حدودها، ولكنَّها تعجز عن إقامة جدار حول المحتوى الذي يستهدف وعي مواطنيها من خلال الفضاء الرقمي، والتطور التكنولوجي الذي أمد الإرهاب اليوم بتقنيات عدة شديدة الخطورة من الاتصالات المشفرة، والعملات الرقمية، والمُسيَّرات التجارية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وكل هذه كانت حكراً على الدول؛ لكنها باتت اليوم متاحة للميليشيات والتنظيمات الكامنة في مخابئها. والآن جاء الذكاء الاصطناعي وهو الأخطر.

ماذا تبقى من دروس 11 سبتمبر؟ أعتقد أن نقص المخيِّلة التي فشلت يومئذ في تصور تحوُّل الطائرة المدنية إلى قنبلة بشرية انتحارية، ما زالت تعيش قصورها، من خلال استمرار البحث عن الإرهابي النمطي في المطار، ومراقبة التنظيمات في معسكراتها النائية، بينما هي اليوم معسكرات رقمية تنفذ إلى داخل الدول من خلال سلطة الخوارزميات والمحتوى المزيف.

الخطر لم يختفِ؛ لكنه غيَّر شكله، بينما ما زالت أجزاء من هذا العالم عالقة في الصورة التي عرفته بها قبل ربع قرن.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإرهاب الذي غيَّر شكله الإرهاب الذي غيَّر شكله



GMT 00:26 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

من أجل موقف سعودي مصري بحري واحد

GMT 00:25 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

أتراك وألمان

GMT 00:24 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

... عن الأعطال العميقة التي تستولي علينا

GMT 00:23 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

اليمن... مواجهة لاستعادة الدولة

GMT 00:22 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

نتنياهو ومحاولات إلغاء اتفاق أوسلو

GMT 00:21 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

المحروسة.. والمملكة

GMT 00:20 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

حصار إيران

GMT 00:17 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

إلى وزيرة التضامن الاجتماعي

صيحة الفيونكة تتصدر إطلالات النجمات بلمسات أنثوية راقية

القاهرة - صوت الإمارات
تصدرت صيحة "الفيونكة" مشهد الموضة بنهاية صيف 2026 كإحدى أبرز التفاصيل الناعمة التي أضفت جرعة من الأنوثة والرقة على إطلالات النجمات، حيث تنوعت التصاميم بين العقد الناعمة والتفاصيل المجسمة البارزة عند الأكتاف، الخصر، والصدر. واعتمدت النجمة هنا الزاهد هذه الصيحة في أكثر من إطلالة من توقيع L'atelier de Mia؛ الأولى بفستان قصير باللون الأزرق السماوي مزين بفيونكة ساتان بيضاء على الصدر ينسدل منها شريطان طويلان، مع حقيبة بيضاء من Dior ومجوهرات من Wedyan Mohy، والثانية بفستان وردي من قماش التويد الخفيف بقصة الكورسيه مع عقدتي فيونكة بيضاوين على الأكتاف وحقيبة Louis Vuitton Capucines. كما تألقت الفنانة صبا مبارك بفستان أحمر طويل محدد للقوام مع فتحة جانبية من تصميم Laith Maalouf، تميز بأشرطة الفيونكة البنفسجية عند الأكتاف، ومجوهرات من Lylak Jewellers. وأطلت المطرب...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 20:53 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 20:23 2014 الأحد ,31 آب / أغسطس

شاطئ مخصص للكلاب على ساحل منطقة روما

GMT 07:52 2014 الأحد ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مقتل 22 شخصًا بعد هطول أمطار غزيرة في نيكاراغوا

GMT 05:27 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

جونسون يؤكد أن سنغادر الاتحاد الأوروبي في 31 يناير

GMT 06:43 2018 الثلاثاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

"نيمار" منتخب السعودية قدم مباراة كبيرة أمام راقصي السامبا

GMT 12:19 2014 الخميس ,21 آب / أغسطس

24 ظاهرة مدهشة حول العالم تكشف روعة الأرض

GMT 03:06 2015 الجمعة ,13 شباط / فبراير

أسد يقتل حارسه في حديقة حيوانات في سيؤل

GMT 16:24 2017 الثلاثاء ,25 تموز / يوليو

"الظفرة إلى ربع نهائي "آسيوية الصالات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates