«رأس السنة» في إدلب

«رأس السنة» في إدلب!

«رأس السنة» في إدلب!

 صوت الإمارات -

«رأس السنة» في إدلب

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

منذ أربع سنوات لا يمرّ «رأس السنة الجديدة» على إدلب السورية. هناك لا تتغيّر السنوات. «الرأس» لا يتميّز عن سواه من مفاصل الزمن، وليس من «عيد» يميّز يوم إدلب عن سواه في الأيّام. الجديد هو القديم مُضاعفاً. «نعم، لقد سبق أن رأينا ذلك قبلاً، لكنّه اليوم أفظع»: هذه هي الحكمة هناك وهذا هو الاكتشاف الأوحد. إنّ تكرار المقتلة المقرونة بالخديعة والتجاهل هو سيّد الأشكال والمعاني، وهو تاج الأزمنة.

مليونان ونصف مليون إنسان في محافظة إدلب، يتعرّضون لما يقارب الإبادة. يحصل هذا بالتقسيط، ويحصل مرّة بعد مرّة، لكنّ دلالته الرمزيّة ذات طاقة باهرة: فالذين يموتون والذين أعارَهم الموت مؤقّتاً للجوع والنزوح والصقيع ينتمون إلى عموم سوريّا. إذن، في إدلب يُقتل السوريّون كلّهم، ولا فضل لضيف على مضيف. لقد دُفعوا، على مرّ السنوات القليلة الماضية، إلى تلك المحافظة الشماليّة، كي لا يموتوا ولا يجوعوا ولا يُنتهكوا. ما فاتَهم هو أنّهم سوف يُستخدمون لتسمين الطريدة، وبأجسادهم سوف تُختَصر المهمّات الكثيرة إلى مهمّة واحدة يحبّها عادة بيروقراطيّون يستعجلون التنفيذ.
وهذا الذي يحصل إنّما يحصل تحت بصر العالم وسمعه، وتحت بصرنا وسمعنا أيضاً. صحيحٌ أنّ أجزاء الكون قصّرت المسافات فيما بينها وتقاربت، إلاّ أنّ إدلب وحدها نُفيت إلى البعيد، بعيداً عن أجسامنا وعن حساسياتنا معاً. فهي وحدها تُترك للحجج السياسيّة العارية التي يردّدها تقنيّو الموت «الواقعيّون»: ألم يحن وقت التخلّص من الإرهاب و«النصرة»؟ ألم يحن الوقت كي يمدّ بشّار الأسد سلطته الوطنيّة على كامل التراب السوريّ؟ وطبعاً، أليس من العدل، بل التقدّميّة، أن يحظى الحليفان، فلاديمير بوتين وعلي خامنئي، بالمواقع المؤثّرة في مواجهة دونالد ترمب؟
المرضى في إدلب تُقصف مشافيهم. التلاميذ تُقصف مدارسهم. الأفراد والعائلات تُدمّر بيوتهم. الهاربون من الموت الذين ينزحون هائمين لا يحملون معهم إلاّ القليل من أشياء متداعية هي جنى أعمار الفقراء. وهل يجني الفقراء إلاّ الخردة التي تنكسر في الطريق فتعجز عن إكمال المسيرة؟ القصف يطارد حركتهم في البرّ، والطائرات والبراميل، الروسيّة والسورية، تمارس هوايتها في الاصطياد من الجوّ. والعالم؟ منذ اندلاع الثورة السورية حتّى الآن مارست روسيا حقّ الفيتو 14 مرّة في مجلس الأمن، بعضها وآخرها لمنع الإغاثة عن إدلب.
الفارّون بمئات آلافهم نحو شمال الشمال تواجههم بوّابة تركيّة موصدة. رجب طيّب إردوغان لا يهمّه من «الإخوة» العرب إلاّ ما يفاوض به لسحق «الإخوة» الكرد. ولاستكمال «نبع السلام»، يُترك لـ«الساحة الليبيّة» أن تقرّر مصير «الساحة السورية» خفضاً للتصعيد أو تصعيداً للتصعيد، هدناتٍ يعقبها قتال أو قتالاً تعقبه هدنات! وفي هذه الغضون، لا بأس بابتزاز الأوروبيين عبر التلويح باللاجئين: إنّ البرابرة على الأبواب.
هذه المرّة، كانت البداية في معرّة النعمان، جنوب شرقي المحافظة. أهلها كانوا البادئين بالنزوح لأنّ الهجوم بدأ بهم. حين وصلتهم دعوة «العودة إلى حضن الوطن» كانوا مائة ألف. الآن هم آلاف قليلة. الصحافي السوري أحمد الأحمد ينقل عن «سهام»، وهي صحافيّة عاشت حتّى الأمس القريب في معرّة النعمان: «إن النزوح بات يمثّل رفاهية بالنسبة إلى المدنيين هناك، فمن يستطيع النزوح ولديه مركبة لنقل عائلته يُعتبر شخصاً محظوظاً». وتمضي سهام: «هناك عائلات ما زالت تسعى بكل جهدها للخروج لكنّها لم تتمكّن من ذلك، بسبب عدم توفّر وسائل نقلٍ وخوف أصحاب السيارات الخاصة من العودة والدخول إلى المدينة التي باتت شبه مدمّرة».
وفي استعادة لتجارب سابقة في اللعب الدموي بالبشر، يلاحظ الكاتب السوري بكر صدقي «أن شرقي حلب أو الغوطة الشرقية، على سبيل المثال، لم تشهدا عودة للنازحين عنها إلا بنسب منخفضة جداً، وذلك بفعل التضييق الذي تمارسه أجهزة النظام على عمليات العودة، إضافة إلى عدم رغبة النازحين في العودة إلى جحيم (الوطن الأسدي). قد يكون البديل عن السكان الأصليين لتلك المناطق المدمرة سكاناً جدداً تنطبق عليهم مواصفات (التجانس) المطلوبة بمعانيها السياسية والأهلية والمذهبية، لكن إمكانية تطبيق ذلك تتوقف على إعادة تأهيل تلك المناطق لتكون صالحة للحياة، وهو ما يتطلب موارد كبيرة تعجز عنها إمكانات النظام المختنق في أزمته، وكذا بالنسبة لإمكانات حليفيه الروسي والإيراني». ومن يدري، فقد تسفر أطوار جيولوجيّة مقبلة يصنعها بشر أشرار عمّا قصّرت عنه أفعال الطبيعة. قد يُنقل مثلاً أطنان من العرب إلى حيث يعيش أطنان من الكرد، فنتسلّى كثيراً بمشهد أوزان تتقاتل، أوزانٍ تُحسب بالأرقام الباردة التي هجرتها الأسماء والملامح.
إنّ إدلب اليوم إعلان عن استحالة الأوطان واستحالة الشعوب، لكنّها أيضاً، قبل هذا وبعده، مرادف لعجز الأخلاق وتبلّد النفوس واليأس من كلّ شيء، كلّ شيء تقريباً. مع هذه المقتلة، يغدو كلّ واحد منّا أقصر طولاً وأضعف صوتاً وأقلّ إقبالاً على عالم يحتفل برأس السنة الجديدة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«رأس السنة» في إدلب «رأس السنة» في إدلب



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت - صوت الإمارات
يبدو أن الفستان الذهبي سيتصدر مشهد السهرات الصيفية لهذا الموسم، بعدما حرصت نخبة من النجمات وعاشقات الموضة على أداء إطلالات جذابة تعتمد هذا اللون المميز الذي يلائم الاحتفالات الفاخرة، ويعتبر من أكثر الخيارات رواجاً، حيث تُظهر جولة على إطلالاتهن تنوعاً لافتاً في القصات والخامات. فقد أطلت إليسا في إحدى حفلاتها بفستان سهرة طويل باللون الذهبي المعدني من توقيع نيكولا جبران، جاء بقصة ضيقة أبرزت القوام، وتميز بتصميم دون أكمام مع فتحة صدر على شكل قلب وحواف مزينة بتفاصيل مرصعة وأحجار لامعة يتدلى من منتصفها عنصر زخرفي انسيابي، بينما انسدل بخامة لامعة ذات ملمس شبكي معدني عكس الإضاءة بأناقة مع فتحة جانبية عالية عند الساق، ونسقت معه سواراً رقيقاً منح المظهر لمسة أنيقة دون مبالغة. من جانبها، ظهرت المطربة بوسي بفستان قصير بلون نيود مائ...المزيد

GMT 21:40 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

GMT 00:12 2014 الثلاثاء ,02 أيلول / سبتمبر

تصميمات لأحذية مختلفة في مجموعة "صولو" الجديدة

GMT 18:56 2018 الثلاثاء ,26 حزيران / يونيو

ايقظ حواسك مع عطر شذى بوس" BOSS THE SCENT "

GMT 03:12 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أرقام صادمة لأغلى 5 منازل حول العالم يمتلكها مشاهير

GMT 13:06 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

لبلبة تؤكّد عدم علمها عن مرض فاروق الفيشاوي

GMT 10:59 2018 الأربعاء ,26 أيلول / سبتمبر

الموارد البشرية" تعلن عن ترشح 713 مواطنًا لدى 117 شركة"

GMT 09:05 2017 الثلاثاء ,10 كانون الثاني / يناير

ميكس البرتقال والفراولة بالفانيليا

GMT 23:14 2017 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

طرق مميزة لعبارات تحفرانها على خاتم الزواج

GMT 12:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حلبات التزلّج في جبال الألب تأسر القلب والروح

GMT 18:29 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

ما هو تأثير الحرمان من النوم على الطفل ؟

GMT 11:43 2021 الثلاثاء ,07 أيلول / سبتمبر

قائد في حركة "طالبان" يعد بجعل "داعش" مجرّد ذكرى

GMT 20:43 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 19:48 2020 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

الراجحي المالية: 37.5 ريال سعر سهم أرامكو العادل

GMT 14:53 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

اليوم الوطني.. ومؤتمر التسامح وسياساته
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates