صلاتان إلى سماء واحدة

صلاتان إلى سماء واحدة

صلاتان إلى سماء واحدة

 صوت الإمارات -

صلاتان إلى سماء واحدة

بقلم: فاطمة ناعوت

أحمقُ مَن يظنُّ أن هدمَ بيت جاره سوف يُثبّت أعمدة بيته، ويُرسّخ أساساته. يقول قانونُ البناء إن هدمَ بيتٍ قد يُخلخل التربةَ، ويُعرّض البيوت المجاورة لخطر التصدّع والانهيار. لا عاقلَ يُحصّن بيتَه بتقويض بيوت الآخرين، فلا سلامة لإنسان وسط خراب جيرانه. فالبيوتُ، كما البشر، لا تنجو فرادى؛ إنما تتساند لتتقوّى، أو تتهاوى معًا.

من العبث اختصامُ البشر حول الطريق إلى الله. فالسماءُ ليست ساحةً تتنافسُ فيها الأبواب، والخالق العظيم قد وسعت رحمتُه «كلَّ شىء»، وما ضاقت حكمتُه عن استيعاب اختلاف عباده. لغاتُ القلوبِ التى ترفع نجواها إلى السماء، ملتمسةً الرحمة والغفران والنور، لا حصر لها. الله واحدٌ أحد، مهما اختلفت الصلوات، وتباينت الطقوس، وكذلك القلب البشرى، فى جوهره، واحدٌ فى حاجته إلى الطمأنينة، وفى توقه إلى الرحمة والمحبة والخلاص. أجمل ما فى الإيمان أنه يحررنا من الخوف، ويفتح نوافذ الروح لنحبَّ جميع خلق الله. الُله واسعٌ، والطريقُ إليه رحبٌ لا متناهٍ، لا يحتكره أحدٌ، ولا يضيّقه أحدٌ على أحدٍ.

ذات مساء طيب، قبل سنوات عديدة، شهدتُ مشهدًا فاتنًا، ظلّ محفورًا فى ذاكرتى، جمع بين صلاتين من كتابين مقدسين، على خشبة مسرح مصرية واحدة. فى حفل تدشين مجلةٍ كنتُ مديرَ تحريرها، دعوتُ اثنين من أحب فنانى مصر إلى قلبى: أحدهما مطرب استثنائى، ذو حنجرة عزّ نظيرها، والثانى موسيقار استثنائى، سابقٌ عصره. كلاهما مثقف العقل، رفيع الخلق. فى ختام الحفل، أمسك المطرب الميكروفون ليشدو، فسارع الموسيقار الكبير وصعد إلى المسرح ليعزف له، وهو مؤلف موسيقى كبير. فما كان من المطرب المسلم إلا أن ختم أغنياته بالصلاة الربّانية تحيةَ لصديقه الموسيقار المسيحى. «أبانا الذى فى السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا فى تجربة، لكن نجّنا من الشرير. لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين».

فما كان من الموسيقار المسيحى إلا أن سارع واختطف الميكروفون من يد صديقه، ثم قرأ فاتحة الكتاب: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين». كلاهما اختتما الجمال بقولة: «آمين». فالله تعالى واحدٌ مهما تعددت زوايا النظر إليه، ومهما تباينت طرائق الوصول إليه. اشتعل تصفيق الجمهور، إذ وصلته رسالةُ الصديقين المثقفين. الله نورٌ صافٍ خالصٌ، يسعى إليه البشرُ عبر دروب عديدة، كلٌّ وفق معتقده.

المطربُ الجميل هو «سمير الإسكندرانى»، والموسيقار الجميل هو «هانى شنودة». خيوطٌ عديدة تجمعُ بين هذين الهرمين الشاهقين. زميلا مهنة راقية ورفيقا مشوار طويل، التقيا على النغم العذب والفن الرفيع. والأهم أنهما مصريان. ولدا فوق هذه الأرض المباركة، وكبرا فى حضنها الواسع. هى الأمُّ الطيبة التى تتسعُ لجميع أبنائها ولا تفرق بينهم، بينما نحن، بغفلتنا، الذين نُفرّق! ارتويا من نيلها الخالد، وأكلا من ثمرها الحلو، الذى أطعم من قبلهما الأنبياء والرسل عليهم جميعًا السلام. وآوتهما غصونُ أشجار حنون، آوت من قبلهما أطهرَ نساء الأرض، العذراء البتول مريم وطفلَها، رسول المحبة والسلام، عليهما السلام. أما أقوى تلك الخيوط، فهو كونهما «إنسان». قيمةٌ عليا أن تكون إنسانًا. فالإنسانية هى المظلّة الواسعة التى تجمع البشرية، على اختلاف أديانها ومعتقداتها وألوانها وثقافاتها.

مقالى ليس دعوة إلى محو الاختلاف، بل إلى احترامه وتوقيره، فهو ثراءٌ وغِنى. وليس مطالبة بالتساهل فى العقيدة ولا التفريط فى الإيمان، بل بتحريره من التعصب. أن تكون إنسانًا يعنى أن تعرف حدودَك، وتتأدب مع خالقك، فلا تنتحل لنفسِك مقامًا ليس لك، ولا تنصّب روحك قاضيًا على أرواح الآخرين وعقائدهم.

حين ندرك أننا بشرٌ، فقراءُ إلى الله، نتوق إلى خلاص أرواحنا من الدنس، لن نُدين الآخرين فى عقائدهم، ولن نصادر حقهم فى اختيار طريقهم. ليس من حق أحد أن يقول لأخيه: أنت كافر، وكأنه شقَّ عن قلبه، ولا أن يسم عقائدَ الآخرين بأنها (...)، [تعفّفَ قلمى ولم يقو على خط الكلمة المشينة التى قالها أحد الشخوص بالأمس]. فلا أحد يمتلك مفاتيح السماء. ولا أحدَ يملك إهانة إنسان أو استباحة كرامته. هو اللهُ، وحده لا شريك له، الذى يفصل بيننا برحمته وعدله. فلنلتقِ حول محبته، ونسكب أمامه قلوبنا، علّنا نحظى بغفرانه تعالى.

مقامُ السؤال:

إذا كانت صلاتان طيبتان قد التقتا فى تلك الليلة فوق خشبة مسرح، فكيف يعجز أبناءُ الأرض الواحدة عن الالتقاء تحت صفحة سماء واحدة؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صلاتان إلى سماء واحدة صلاتان إلى سماء واحدة



GMT 19:21 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 19:20 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 19:19 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 19:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

رؤية للحاضر مِن الزمن الغابر

GMT 19:17 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 19:16 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تحديات العنجهية الإيرانية لبنانياً

GMT 19:15 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 19:13 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 23:23 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

طريقة تحضير كيك القهوة بطبقات كريمية غنية

GMT 03:33 2020 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

تعرف علي أفضل طرق تعقيم الكنب

GMT 11:28 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

غادة عادل تبدأ تصوير مشاهدها في فيلم "العفريت"

GMT 00:07 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هيفاء وهبي أصبحت مادة إعلامية خصبة بعد أزمة "ثانية واحدة"

GMT 04:26 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:19 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

"بيتكوين" تسجل أكبر انخفاض شهري لها خلال 7 سنوات

GMT 08:22 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

بريدراج مياتوفيتش يُؤكّد أنّ إيسكو تحوَّل إلى لا شيء

GMT 02:26 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

عسكر يستقبل شويطر وشرفي ويؤكد اهتمام الأولمبية البحرينية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates