سارقو الثورات والثروات

سارقو الثورات والثروات

سارقو الثورات والثروات

 صوت الإمارات -

سارقو الثورات والثروات

بقلم: فاطمة ناعوت

 

الثوراتُ أنشودةُ الشعوب الصادحةُ فى وجه الظلم والظلام؛ طلبًا للخلاص والحرية من الاستعباد والقهر والطغيان. لكنها مع ذلك، وكأى قصيدة مُغنّاة، قد تسقطُ على عيون عمياءَ لا تجيدُ قراءةَ الشِّعر؛ فتعمد إلى إساءة تأويل المعانى، أو تصادف آذانًا صمّاءَ لا تجيدُ تمييز النغم، فتتعمّد تشويه الإيقاع ليتحوّل إلى نشاز وضجيج.

وصدق «أبوالقاسم» إذ يقول: «إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة/ فلابد أن يستجيبَ القَدَر»، فإذا استجاب القدرُ وتكللت مساعى الثوارُ بالنجاح، وسقط الظلمُ مع سقوط الطُغاة، ودنتِ الثمارُ شهيةً لا تحقُّ إلا لمُستحقيها، تهافت نحوها غيرُ المستحقين يرومون قِطافًا. هنا تبرزُ أنيابُ الخطر تحيق بالثورات الشريفة، يحاولُ اختطافَها طامعون وطغاةٌ جددٌ يتدثرون بعباءة الشعب الثائر المستحق للحرية؛ فتتحورُ الثورةُ النبيلةُ من شريان نابضٍ يخفقُ بالحياة، إلى فخٍّ وفكٍّ غليظ يُطبقُ أنيابَه الحادة على خاصرة الحلم، فيهشّم مفاصله! تكرّر هذا السيناريو المقيتُ مع جميع ثورات التاريخ؛ حين تبرزُ من الظلام وجوهٌ شائهة يهرعون نحو ثمار الثورة اليانعة، لا بقلوب المؤمنين بالحريّة والعدالة، بل بعيون الطامعين وأنياب المُستغل. هم كما الخفافيش العمياء، تتربّص بفراشات ملونة، يُغريها الضوءُ ثم لا تلبث أن تجد أجنحتها مكبّلةً بظلال الظلام.

ليس الأمسُ ببعيد. مشاهدُ اختلاس الثورات وسرقة الثروات، شهدناها نحن الأحياء فى نهارات قريبة مازالت ساطعة فى ذاكرتنا، فى بلادنا وبلاد من حولنا، أو قرأناها فى كتاب التاريخ خَطّته دماءُ أجيال سابقة. يعيدُ التاريخُ نفسَه لأن لا جديدَ تحت الشمس. يقومُ المثقفون وشرفاءُ الوطن الرافضون غيومَ الظلام بالثورات النبيلة، وتُهرقُ الدماءُ الطهورُ وتُزهقُ الأرواحُ الطيبةُ ثمنًا للحرية، فإذا ما أشرق فجرُ الحرية وأزهرتِ الزهورُ على جنبات الوطن، انقضت على الإشراق طفيلياتُ التيارات المتطرفة تستغل تداعياتِ الثورة وفوضى الحدث، فتبعثرُ أبجدياتِ الحلم لتعيد تشكيلَه بما يخدم مطامعها، بل وقد تفتحُ الأبوابَ مُشرعةً لدخول الأعداء التاريخيين الذين هرموا وهرمت أحقادُهم أمام الأبواب الموصدة. أولئك الطامعون القافزون على صهوات ثورات الشعوب، لا يقرؤون الثورةَ كدعوة للعدل والحق والخير والجمال، بل كفرصة لتكريس أركان استبداد آخر، مغلفٍ بشعارات جوفاء ووعود كذوب، أبدًا لا تتحقق. يتوسّلون سياسة بنى صهيون الشهيرة فى الزحف البطىء نحو الهدف الاستيطانى. فى البدء يسيرون بخطوات هادئة ووجوه بشوشة تطفر بالبشر والسماحة، وكأنما هم جزءٌ من الحلم النبيل، حتى يزرعوا أقدامهم فى قلب المشهد، فيخرجون نحو النور مع الخارجين من الجماهير الطيبة، فإذا ما اندمجوا فى النسيج الثائر، سقطت الأقنعة وشاهت الوجوه وانفضحت الأرواح الباغضة، التى تُحوّلُ الظلمَ القديم إلى ظلم جديد، وتستبدل بالظلام الغابر ظلامًا أوغلَ إعتامًا.

لصوصُ الثورات مَهرةٌ فى وظيفتهم، يعرفون جيدًا كيف يسرقون الأصوات مثلما يسرقون الثروات. يدركون كيف يضبطون أوتار حناجرهم على إيقاع النشيد الجماهيرى النبيل؛ بعدما يخبئون داخله صدى أيديولوجياتهم الإقصائية الاستعبادية. وحالما تحين لحظة التمكين وينالون فرصة الإمساك بمقاليد الأمور، يتحولون إلى قضبان أخرى، ليست من الحديد والفولاذ كما السابق، بل من أعمدة الظلام المعتم تُحاصر الكرامة وتسجن الحرية التى ولدت من رحم الثورة. الخطورة الكبرى ليست وحسب فى سرقة الثورة، واستراق صوت الحُلم النبيل، بل يكمنُ الهولُ العظيم فى تفتيت الجسد الذى أشعل الثورة وشيّد الحُلم.

لصوصُ الثورات يعرفون جيدًا كيف يزرعون بين الناس شتاتًا، ويفككون الكتل المتضامّة إلى شيعٍ ومذاهبَ وطوائف متناحرة متباغضة كما خلايا مسرطنة فى جثمان عليل يأكلُ بعضُه بعضًا، بعدما كان جسدًا واحدًا صلبًا يقفُ ممشوقًا فى وجه الظلم والطغيان. ذاك أنهم يجيدون غرس بذور الريبة والشك بين الناس حتى تطرح مع الأيام أشجار الشر المحمّلة بحناظل البغضاء والارتياب والعداوة. فما كان صرخة واحدة قوية فى وجه الظلم، يتفتّت إلى حشرجات عليلة لجسد متهافت يهاجم نفسه بنفسه فيما يشبه التدمير الذاتى.

تلك التيارات المتطرفة لم تولد من متون الثورة، ولا أنجبتها لحظاتُ الفوضى التى عادةً ما تصاحب الثورات النبيلة، بل هى موجودة منذ البدء، كما الذئب الذى يدّعى الخمولَ حتى تحين لحظة الانقضاض على الطريدة. فهى تعدُّ العدة فى الخفاء طوال الوقت، تمتلك المال والسلاح والجهات الداعمة، ولديها العقول التى ترسم الخطط والحناجر التى تتقن دبج الشعارات الرنانة التى تُسفر دائمًا عن صفر كبير خاوٍ لا صدق فيه. تلك الفصائل تعرف متى تختبئ وتندسُّ فى متون العتمة، ومتى تخرج إلى براح الضوء لتعلن عن نفسها فى الوقت المناسب. تعرفُ كيف تخاطبُ البسطاء بلغتهم وكيف تلوّح لهم بأحلام لن ترى النور أبدًا.

أيها الثوارُ الشرفاءُ فى كل مكان: احذروا لصوصَ الأحلام سارقى الأوطان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سارقو الثورات والثروات سارقو الثورات والثروات



GMT 19:45 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

ثمن الاختيار

GMT 19:44 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

GMT 19:43 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

لا غضب لا كبرياء

GMT 19:42 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

الإخوان و«المال السايب»

GMT 19:41 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

وثيقة ترمب الأمنية... الانكفاء إلى الداخل

GMT 19:40 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

آثار فعل ارتفاع أسعار النفط

GMT 19:38 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

«لات ساعة مندم»!

GMT 22:20 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

مهزلة «الطيبات»!

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش - صوت الإمارات
شهدت مدينة مراكش أجواءً استثنائية من الفخامة والأناقة خلال فعاليات “أسبوع القفطان المغربي” في دورته السادسة والعشرين، والذي احتفى بجمال القفطان المغربي باعتباره أحد أبرز رموز التراث والأزياء التقليدية الراقية. وحرصت العديد من النجمات والإعلاميات العربيات على الظهور بإطلالات مستوحاة من روح القفطان المغربي الأصيل، بتصاميم مزجت بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية. وتألقت الفنانة غادة عبدالرازق بقفطان باللون الأخضر الزمردي تميز بتطريزات ذهبية كثيفة مستوحاة من الطابع التراثي المغربي، مع حزام مطرز أبرز أناقة التصميم، واختارت تنسيق أقراط مرصعة بأحجار الزمرد مع تسريحة شعر بسيطة على شكل ذيل حصان مرتفع. كما ظهرت مريم الأبيض بإطلالة مشرقة بقفطان أصفر لافت، جمع بين القماش الانسيابي والتفاصيل المعدنية اللامعة، وزُين ب...المزيد

GMT 21:36 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 19:10 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 17:05 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

هكذا يمكن استخدام المايونيز لحل مشاكل الشعر

GMT 07:33 2019 الأربعاء ,21 آب / أغسطس

نجمات أحدثن تغييرات جذرية بشعرهن في 2019

GMT 01:57 2019 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

الآثار تكتشف مقبرة تحوى 40 مومياء بمنطقة تونة الجبل

GMT 07:59 2018 الأربعاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تؤكد اختلاف مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام

GMT 00:11 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

جوزيه مورينيو يدافع عن سخريته من جماهير "اليوفي "

GMT 16:38 2015 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

الطقس في البحرين رطب عند الصباح ودافئ خلال النهار

GMT 20:55 2013 السبت ,29 حزيران / يونيو

دراسة أميركية تكشف ما يجري داخل أدمغة الأطفال

GMT 13:52 2015 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

نورهان سعيدة بـ"حب لا يموت" وتخشى المسلسلات الطويلة

GMT 04:26 2017 الأحد ,07 أيار / مايو

"العراق" تشيد بدور منظمة المرأة العربية

GMT 02:57 2017 الإثنين ,13 شباط / فبراير

مانشستر سيتي يحاول ضم مهاجم الريال باولو ديبالا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates