بقلم:خالد منتصر
فى عام ٢٠٢٤ اختارت دار نشر جامعة أكسفورد مصطلح brain rot، تعفن الدماغ، كلمة أو مصطلح العام، كلمة غريبة، لكنها ليست وليدة اليوم، فقبل هذا التوقيت بأكثر من قرن ونصف، تم صك مصطلح بنفس الصيغة لكنه يحمل معنى مختلفاً، وهو تعفن الفكر، المصطلح يعود إلى هنرى ديفيد ثورو عام ١٨٥٤ فى كتابه Walden، حين كان ينتقد ميل المجتمع إلى تبسيط الأفكار والابتعاد عن التفكير العميق، وهو استعارة من ظاهرة تعفن البطاطس التى انتشرت وقتها، ثم عاد المصطلح بعد كل تلك السنوات ليصف أثر الإفراط فى استهلاك المحتوى السطحى على الإنترنت، كان المقصود عند ثورو، أن المجتمع يفقد قدرته على التفكير عندما يكافئ السطحية، ويهرب من التعقيد،
ويستبدل بالفضول والتأمل العادات الفكرية الجاهزة، وتشرح الباحثة Cristin Ellis فكرته، بأنها ما يحدث للعقل والروح عندما نقمع فضولنا ودهشتنا ونستسلم للعادات غير المتأملة السائدة حولنا، كان ثورو يحتج على ميل الناس إلى خفض مستوى الأفكار حتى تناسب «أكثر مستويات الإدراك بلادة»، ويسخر من انزعاجهم من الكتابة التى تحتمل أكثر من معنى، أى أنه كان يدافع عن الفكر المركب، والتأمل، والخيال، فى مواجهة العقل الكسول الذى يريد كل شىء مباشرًا وسهل الهضم، هذا هو تعفن الفكر الذى قصده، لكن ما هو تعفن الدماغ الحديث الذى حصل على كلمة عام ٢٠٢٤؟، المقصود هو أننا نفقد بالتدريج قدرتنا على الانتباه،
فنحن لا نفقد عقولنا فجأة، لا نستيقظ ذات صباح فنكتشف أن الذاكرة قد مُسحت أو أن الذكاء قد تبخر، ما يحدث أكثر خبثًا وهدوءًا، والمخ لا يتعفن بالمعنى الطبى، ولا يوجد طبيب سيكتب فى روشتته التشخيص: المريض مصاب بـBrain Rot، المصطلح وصف ثقافى لحالة نعيشها جميعاً كل يوم، ساعات من التنقل بين فيديوهات لا تتجاوز الثوانى، ميمز، تريندات، فضائح، مقاطع رقص، مشاجرات، ثم خبر عن حرب، وبعده كاميرا خفية كوميدية، ثم إعلان، ثم جريمة قتل، ثم وصفة طبيخ... الخ،
مئات المعلومات دخلت رؤوسنا، لكن فى نهاية اليوم نسأل أنفسنا: ماذا بقى فى أدمغتنا؟، لا شىء، هباء، خواء، تعفن بطىء، المشكلة ليست فى «تفاهة» المحتوى وحدها، وإنما فى طريقة استهلاكه، وتعاطيه، المخ البشرى لم يتطور ليستقبل كل عدة ثوانٍ موضوعًا جديدًا ومثيرًا، كل «سكرول» بإصبعك قد يحمل مفاجأة صغيرة، فيديو مضحكا، خبرا صادما، صورة جميلة، تعليقا غاضبا، لا تعرف ماذا سيأتى بعد ذلك،
إدمان تلك المفاجآت المتقطعة يعرضك لأعراض الانسحاب، لو ابتعدت عن هاتفك المحمول لدقائق، وهنا يكمن الخطر، نحن لا نقتل الذكاء، وإنما ندرب المخ على نفاد الصبر، فالكتاب يقول لك، انتظر عدة صفحات طويلة حتى تكتمل الفكرة، الفيلم الجيد يطلب منك ساعتين، سيمفونية بيتهوفن أو باخ تطلب منك أن تجلس وتنصت وتحلل وتقارن، أما مقاطع الريلز والتيك توك.. الخ فتراهنك وترهنك، إذا لم ندهشك خلال دقيقة، اتركنى واسكرول غيرى، ومع التكرار يصبح الملل جريمة، والانتظار عذابًا، والتركيز الطويل مجهودًا غير مرغوب فيه،
إنه نوع جديد من الاقتصاد السيئ، اقتصاد الانتباه، أنت تتصور أنك تستخدم التطبيق مجانًا، لكن العملة التى تدفعها ليست النقود، إنها سنوات عمرك التى تتآكل، وانتباهك الذى يتبخر، المنصة تريدك أن تبقى، والخوارزمية تتعلم ما الذى يغضبك ويضحكك ويدهشك ويجعلك عاجزًا عن المغادرة، مربوطاً للشاشة بحبل فولاذى، إنها ليست مؤامرة سرية ماسونية، إنه كتالوج، ملخصه، كلما بقيت أطول، شاهدت إعلانات أكثر،
والـBrain Rot لا يعنى أن مشاهدة فيديوهات قصيرة ستصيبك بالخرف أو تتلف خلايا مخك بيولوجياً، لكن سيتم تدريبه على نمط سيئ، عندما تقضى ساعات يوميًا فى القفز بين تلك المثيرات، يصبح من الطبيعى أن تجد قراءة عشر صفحات متصلة أصعب، وعادى جداً أن تمد يدك إلى المحمول أثناء فيلم أو مسرحية جذابة، أو أن تفحص الإشعارات والواتس أب خلال حوار مع شخص تحبه ولم تره منذ سنين، للأسف بتنا نعيش فى مفارقة مفجعة، أصبح لدينا أكبر مخزون من المعرفة فى التاريخ،
وأضعف صبر على المعرفة، مكتبات العالم ومحاضرات أعظم الجامعات والأبحاث العلمية موجودة فى الجهاز نفسه الذى نقضى عليه ساعة نضحك ونحن نشاهد شخصًا يتزحلق من قشرة موز، أو نراقب خناقة سنج ومطاوى فى حارة، أو فى كافيه فى الساحل!، الحل ليس فى أن نكسر الهاتف المحمول ونعود إلى التليفون القرص وكابينة السنترال، فالتكنولوجيا ليست شيطانًا رجيماً، والفيديو القصير ليس خطيئة، المطلوب فقط هو أن نستعيد حقنا فى التحكم فى انتباهنا، أن نقرأ رواية طويلة والتليفون مغلق، نشاهد فيلمًا دون زغزغة المحمول، نمشى فى الحدائق نتنفس الجمال بلا شاشة، ونسمح لأنفسنا بالملل،
فالقليل من الملل ليس فراغًا يجب قتله دائمًا، أحيانًا يكون الملل هو المساحة التى يبدأ فيها الخيال والتأمل والأسئلة.