ناصر والقذافي وأحمد سعيد

ناصر والقذافي وأحمد سعيد

ناصر والقذافي وأحمد سعيد

 صوت الإمارات -

ناصر والقذافي وأحمد سعيد

بقلم : عبد الرحمن شلقم

 

في سنة 1982 كنت وزيراً للإعلام في ليبيا. زارنا أحمد سعيد، الإعلامي الذي كان في عهد جمال عبد الناصر، يتدفَّق صوته الثوري القومي من إذاعة «صوت العرب». قدَّم مشروعاً لمحطة راديو باسم «صوت العرب». مضمون برامجها، الحديث عن العلم والتنمية والثقافة، والتركيز على تطوير قدرات الشباب العربي، في عالم يندفع بسرعة نحو التقدم العلمي والتقني، والاستفادة من خبرات العلماء العرب في الخارج. في ذلك الوقت لم تظهر الفضائيات. أرسلتُ مذكرة أحمد سعيد إلى القيادة، وجاء رد العقيد معمر القذافي بتعليق على المذكرة كُتب فيه: «نريدها إذاعة مثل صوت العرب التي كان يقودها أحمد سعيد، في سنوات الخمسينات والستينات». أعطيتُ المذكرة وفوقها تعليق القذافي لأحمد سعيد. بعد صمت قال ضاحكاً: «الله، هو الأخ العقيد لسَّا قاعد في مدرسة سبها الإعدادية!». قضى أحمد سعيد معنا أياماً في طرابلس، وتواصل الحديث بيننا ساعات طويلة. كنتُ في السنة الأولى بالمرحلة الثانوية بمدرسة سبها، عندما بدأت حرب الخامس من يونيو (حزيران) سنة 1967، وتجمع زملاء الدراسة ببيتنا، نتابع بفرحة وحماسة صوت أحمد سعيد، الذي يبشر الشعب العربي بقرب تحرير فلسطين من البحر إلى النهر. سألتُ أحمد سعيد عن تلك الأيام التي انتهت بالهزيمة الرهيبة. قال سعيد، إن البيانات التي كان يذيعها بصوته المجلجل، كانت تأتيه ساخنة من قيادة الجيش، ويذيعها هو على الهواء مباشرة. في مساء اليوم الثاني للحرب، زاره في الإذاعة ضابط كان زميلاً له في الدراسة، وقال له ما هي هذه الأكاذيب التي تصرخ بها يا أحمد؟ بعد قليل سيدخل عليك الجيش الإسرائيلي في الاستوديو. قال سعيد إنه اتصل مباشرة بقيادة الجيش، مستفسراً عن حقيقة الموقف العسكري، وكان الرد أن عليه أن يستمر في الخطاب التعبوي الحماسي نفسه؛ حفاظاً على الروح المعنوية للشعب العربي. تحدث مطولاً عن مرحلة حكم جمال عبد الناصر بما لها وما عليها. كرر سعيد، أننا لم نعرف حقيقة العالم آنذاك، وأن جمال عبد الناصر كان زعيماً مخلصاً، لكنه لم يعرف تفاصيل ما يدور في العالم، وكان الجيش المصري منهكاً في اليمن، والمشير عبد الحكيم عامر لم يكن في مستوى قيادة الجيش المصري.

في الأيام القليلة الماضية، بُث تسجيل لمكالمة هاتفية بين الراحلين جمال عبد الناصر والعقيد معمر القذافي، جرت في شهر أغسطس (آب) سنة 1970. تحدث عبد الناصر عن الوضع العسكري والسياسي المصري والعربي، بعد هزيمة يونيو، واحتلال إسرائيل الأراضي المصرية والسورية والفلسطينية، والقدرات العسكرية الإسرائيلية المدعومة من أميركا، وأن الحديث عن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، غير منطقي أو واقعي، وقال من يرِد من العرب أن يقاتل إسرائيل فليتقدم، وتحدث عن العراق وسوريا والجزائر واليمن والقادة الفلسطينيين، أما هو فيراهن على الحل السياسي السلمي.

خاضت مصر حرب استنزاف طويلة، بعد هزيمة يونيو كلفت مصر الكثير من الضحايا والخسائر المادية. مبادرة وزير الخارجية الأميركي ويليام روجرز، وقرار مجلس الأمن رقم 242، طرحا مشروع سلام والانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل. قبل الرئيس عبد الناصر كليهما، وأوقف حرب الاستنزاف. كان عبد الناصر في زيارة إلى موسكو، في محاولة للحصول على أسلحة متطورة من الاتحاد السوفياتي، لكن السوفيات لم يوافقوا على تزويده بالأسلحة التي طلبها، فأعلن قبوله مشروع روجرز وهو في موسكو. نائبه أنور السادات أعلن رفض المشروع، في اجتماع للجنة السياسية للاتحاد الاشتراكي. عندما عاد عبد الناصر إلى القاهرة، كان في مقدمة مستقبليه بالمطار أنور السادات، فقال له عبد الناصر: «اذهب ارتاح في ميت أبو الكوم».

كانت تلك السنوات التي تلت الهزيمة، جبالاً من الإحباط والألم على كاهل عبد الناصر، وعواصف من نار تموج برأسه. الجيش الإسرائيلي لا تتوقف غاراته على المدنيين، واضطرت مصر إلى تهجير سكان منطقة الإسماعيلية، وكانت تبذل جهداً متواصلاً لبناء حائط الصواريخ غرب القناة. لم يبق لعبد الناصر من رفاق قيادة الثورة إلا السادات وحسين الشافعي. كان السادات هو الأنيس، الذي يرفع معنويات الزعيم المكسور، فدأب عبد الناصر على زيارته في بيته برفقة زوجته. الحديث الذي لا ينقطع كان عن جرح الهزيمة الغائر، والسؤال: ما العمل؟ ما قاله عبد الناصر للعقيد القذافي في المكالمة الهاتفية، كان هو الرؤية التي تخلقت بين عبد الناصر والسادات. بعد رحيل عبد الناصر وتولي السادات الرئاسة، نفَّذ السادات كل ما قاله عبد الناصر في تلك المكالمة، بل تنبأ عبد الناصر بكل التهم التي وجهت للسادات. كانت ردود الفعل العربية من الدول والمنظمات التي تصف نفسها بالمقاومة، وتطالب بتحرير كامل فلسطين، حادة ضد عبد الناصر عندما قبل مشروع روجرز وقرار مجلس الأمن. في ليبيا حدث خلاف بين أعضاء مجلس قيادة الثورة. منهم من أصرَّ على وصف عبد الناصر بالخائن، لكن القذافي، كتب بياناً وصف فيه عبد الناصر، بالقائد والمفكر والمشروع القومي. الشدائد تعيد إنتاج العقول، وتسكِت صرخات التعبئة الخشبية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ناصر والقذافي وأحمد سعيد ناصر والقذافي وأحمد سعيد



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates