هناك أوهامٌ مؤسسةٌ في عالم التحليل والقراءاتِ السياسية تحولُ دون إدراكِ الأمور كمَا هي، بسبب طحالب الأوهام هذه التي تحجب صفحة الماء النقية.هذه الأوهامُ موجودة لدى كل مجتمعات العالم، وليس فقط عالمنا العربي، ولها صيغ كثيرة، لكنَّها تتحرَّكُ بنفس الآليات، وتتصرَّف بذات الميكانيزمات.
من هذه الأوهامِ الحاكمةِ في عالم القراءةِ السياسية بالعالم العربي، أنَّ اليهودَ، أو إسرائيلَ، هم من يحكمونَ أميركا ويتحكَّمون في قرارها، وأنَّه لا يمكن أن يصلَ أيُّ رئيس للبيت الأبيض دون أن يكونَ «خادماً» للمصالح الصهيونية.
نعم، هناك علاقات «خاصة» بين أميركا وإسرائيل، لها خلفياتٌ استراتيجيةٌ فيها غاياتٌ سياسية وأمنية، وهناك خلفية «عاطفية» ما... كل هذا لا يمكن إنكاره، لكن القول إنَّ إسرائيلَ هي الحاكم الفعليُّ في أميركا، وهْمٌ محض.
في الحرب الجارية بين أميركا وإسرائيل من طرف، وإيرانَ من طرف، لاحظنا تناقضَ السياسات والمقاربات حيال عقد صفقة سياسية لإنهاء الحرب، وقد ذاع الخبر عن مكالمة قاسية جرت بين ترمب ونتنياهو مؤخراً.
كما أقرّ جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي بأنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «ارتكب بعض الأخطاء بالتأكيد».
وفي مقابلة مع شبكة «سي بي إس» الأميركية، قال فانس إنَّ نتنياهو «يدافع بقوة عن مصالح بلاده»، لكنه أشار إلى أنَّ تلك المصالح لا تتوافق دائماً مع المصالح الأميركية.
لذلك حاول نتنياهو التقليل من حجم الخلافات مع إدارة ترمب، قائلاً في مقابلة مع «إن سي بي سي» الأسبوع الماضي: «كما يحدث في أفضل العائلات، لدينا أحياناً خلافات تكتيكية، لكننا نجد دائماً طريقة لحلها».
التاريخ يقول إنَّ هناك محطات خشنة في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية مثل ما
في حرب السويس المعروفة باسم «العدوان الثلاثي» (1956)، حين شنَّت ثلاث دول، هي بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، الهجومَ على مصر، بسبب قناة السويس، وقتها رفضت إسرائيلُ الانسحاب من سيناء وغزة، فهدَّدها الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور بقطع المساعدات الاقتصادية، ممَّا أجبر إسرائيل على الانسحاب.
عام 1991 أثناء حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي، استخدم الرئيس الأميركي بوش الأب، ووزير خارجيته جيمس بيكر، سلاح الضغط المالي، من خلال تجميد ضمانات قروض بقيمة 10 مليارات دولار، لإجبار رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير على وقف توسيع المستوطنات، وحضور مؤتمر مدريد للسلام... لكن تظلّ قضية الجاسوس الإسرائيلي داخل أميركا جوناثان بولارد، وهو محلل استخبارات مدني في البحرية الأميركية، من أوضح الأمثلة على مواطن الصدام بين المصالح الأميركية - الإسرائيلية.
بولارد أُدين بالتجسس لصالح إسرائيل، واعتُقل في أميركا عام 1985، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة. وبعد 30 عاماً خرج بولارد من السجن، وذهب إلى تل أبيب، وكان في استقباله بالمطار في ديسمبر (كانون الأول) 2020، وقرأ شيئاً من التوراة لمباركته. ومن يدري ربَّما اليوم في أميركا أكثر من بولارد يُكتشف أو لا يُكتشف!
كما أن شعبية ورواية إسرائيل داخل أميركا اليوم ليست في أحسن حالاتها منذ بعض الوقت.
نعم، ما زالت إسرائيل الحليفَ الأقرب لأميركا في الشرق الأوسط، هذا لا مراء فيه، بيد أنَّ الحقيقة أيضاً أن أميركا أكبر من إسرائيل، ومصالحها كما يراها هذا الرئيس أو ذاك، هي الأولوية.