ماذا عن الحرب المنسية

ماذا عن الحرب المنسية!

ماذا عن الحرب المنسية!

 صوت الإمارات -

ماذا عن الحرب المنسية

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

في لقاء ضم مهتمين عرباً ومسؤولين سابقين في دولهم، كان النقاش يدور حول الهم العربي المشترك، الذي يبدو أنه لا ينتهي، وجرى النقاش ساخناً بسبب حيرة الجميع في تفسير هذه الظواهر المحيطة بنا تفسيراً عقلياً، البعض ذهبتْ به العاطفة مذهب الشطط. من بين الحضور سيدة سودانية مطلعة كانت شاركت في المسؤولية سابقاً في بلدها ولديها حصيلة من المعلومات من الميدان، سألتها عن نسبة العوامل الحاكمة التي سببت هذا الاحتراب السوداني المرير، قالت: 40 في المائة منه من مخلفات النظام السابق، و30 في المائة جهل، والثلث الباقي سباق بين شرهين للاستحواذ على السلطة والثروة، وما لفتني نسبة ما يحمله النظام السابق من آثام على ما ترك خلفه، فقد صنع بيده قوى عسكرية - اجتماعية - قبلية، أراد أن يستخدمها عند الشدة، وفي حالة الضيق، فنبتت لها مخالب لتدافع عن مصالحها من دون أي حسابات أخرى.

مساهمة النظام السابق في كل ما حصل ويحصل في ليبيا والعراق واليمن، هو أمر مستقر لدى الكثير من المتابعين، وظاهرة تستحق الدارسة المعمقة، فالسلطة المطلقة تخلق اختناقات مرضية في المجتمعات، تنفس عن نفسها مرضياً بعد سقوط النظام، فتظهر على شكل بثور وندوب على سطح المجتمع اسمها «الميليشيات»، التي تعيث فساداً من دون رادع في الفراغ الذي ينشأ بعد سقوط الدكتاتورية، عندما سمع أحد المستثمرين العرب، الجالس معنا، السردية السودانية، تنهد قائلاً، لقد سرقوا 20 مليون دولار من فرع بنكنا في الخرطوم!! وكانت مخصصة للاستثمار، حتى الاستثمار الذي ذهب إلى السودان طوعاً لم ينجُ من الهلاك!

عدد قتلى الحرب في أوكرانيا في السنوات الثلاث الماضية، كما نُشر، بلغ 30 ألفاً من الجنود الأوكران، وبلغ قتلى مواطني أهل غزة بسبب الصلف الإسرائيلي والتهور، ما يقارب الثلاثين ألفاً في ستة أشهر، وعدد ضخم من الجرحى، أما في الاقتتال السوداني الأهلي وفي زمن أكثر قليلاً من نصف عام، فقد بلغ 20 ألف قتيل و6 ملايين من المشردين، والافتراض المنطقي أن القتال إذا استمر لعام فقط في السودان، فسوف يفوق عدد القتلى عدد من قتل في أوكرانيا في ثلاث سنوات، وأكثر ممّن سقط قتيلاً بغزة في ستة أشهر، أما عدد المشردين فقد يفوق العشرة ملايين، ربما إن سارت الأمور إلى وقت أطول لن يبقى في السودان نافخ نار!!

حتى الآن فإن 70 في المائة من مستشفيات الخرطوم خارجة عن الخدمة، وأصبحت هناك ندرة في سيارات الإسعاف، أما الأقاليم خارج العاصمة فليس لديها منذ زمن خدمات صحية تسمى بذلك الاسم، كما أن شح الأدوية والمستلزمات الطبية، يعني أن ينزف الجريح السوداني حتى الموت، وتتدفق الهجرات السودانية على دول الجوار، بعضهم يعيش في خيام عيشة مزرية.

البنك الدولي يتوقع أن ينكمش الاقتصاد السوداني إلى 15 في المائة، ويصبح الجنيه السوداني ورقاً من دون ثمن تقريباً، كما خرجت أكثر من 400 منشأة تعمل في الصناعات الغذائية والدوائية في العاصمة وحولها من الخدمة! وتدهورت الزراعة نتيجة فرار المزارعين إلى المناطق شبه الآمنة، وتلاشى الأمن، وتوقفت المدارس والجامعات، ومعظم الحرب تدور في العاصمة أو حولها.

إنها حرب سوداء بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، انصرف عنها الرأي العام تجاه أوكرانيا وغزة، وتُركت القوى السودانية تأكل بعضها بعضاً إلى حد انتحار الوطن السوداني.

هل هي شهية السلطة، وأي سلطة سوف تبقى منتصبة على الأطلال، وأي شعب سوف يبقى وقد مُزق نسيجه الاجتماعي إلى خِرق مبعثرة، وأي اقتصاد يمكن أن يخرج به السودان في نهاية المطاف؟

يمكن عقلاً تبرير حرب أوكرانيا، أي أن بها من العناصر العقلية ما يمكن فهمها، ويمكن أيضاً معرفة العناصر العقلية التي قادت إلى حرب غزة، إلا أن الأحجية السودانية غير قابلة للفهم العقلي، أو المنطقي، مهما ضعف.

مجموعات عسكرية وشبه عسكرية تقاتل من دون هدف واضح، وتقاتل شعبها وتنتهك أبسط حقوقه الإنسانية، ولا يستطيع الجوار أن يتدخل، وقد حاول تكراراً ولكنه فشل في رأب الصدع، لأن أسباب الصدع غير معروفة أسبابه، غير شهوة السلطة من العسكر، هذه الشهوة مركزية في العقل السوداني السياسي، فمنذ الاستقلال قبل 70 عاماً تقريباً والسودان يخرج من انقلاب عسكري إلى انقلاب عسكري آخر، بمسميات وشعارات مختلفة، ولكن جلها أو حتى كلها لعبة العسكر.

السودان ثالث أكبر بلد حجماً في أفريقيا بعد الجزائر والكونغو الديمقراطية، والثالث في العالم العربي بعد الجزائر والمملكة العربية السعودية؛ أرض خصبة ومياه وفيرة وسابع دولة في العالم في الثروة الحيوانية، ورابع احتياطي في العالم من النحاس، وهناك مناجم ذهب مدرة، وأكبر فشل في إدارة الموارد! ومع استمرار الصراع في تلك البلاد الكبيرة سوف تُستنزف الثروة، ويحدث حدثان على الأقل مع الزمن؛ الأول تدخل خارجي بأنواع مختلفة من الأهداف المادية والسياسية أو كليهما، والثاني أن ينزاح الصراع إلى الجوار، فهناك دولتان عربيتان مصر وليبيا في الجوار، والأخيرة تعاني من تفتت في الجسم السياسي والعسكري، قريباً إلى الفوضى، والأولى تتحمل عبء حجم كثيف من النازحين السودانيين، وأيضاً خمس دول أفريقية، عدد منها يعاني ضعف البنية الداخلية، وانفلات الأمن، إلى جانب مشكلات داخلية ليست هينة. وبالقرب منها مقابل البحر الأحمر يجري تهديد الأمن البحري من قراصنة مسلحين. يصعب إمداد السودان باحتياجاته، كما لا يجب تجاوز التدخلات الدولية في حمى الصراع الغربي - الشرقي المتفاقم.

في المحصلة لن يوجد رابحٌ في السودان، ومن يربح فقد خسر، وما نشاهد على الساحة السودانية هو انعكاس لعقلية سياسية تكاد تكون عمياء في فهم ما يحتاجه الإنسان المعاصر (الإنسان وليس المواطن السوداني فقط) من متطلبات حضارية ومعيشية، وهي ظاهرة تضرب العمل السياسي العربي في مقتل بالكثير من دوله وهي مزمنة، نشاهد جزءاً منها في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا، وتكاد الظاهرة أن تكون جائحةً في السودان!

آخر الكلام: الخاسر الكبير في السودان، هو الشعب السوداني، بطن جائع وقلب خائف وأحلام كابوسية!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا عن الحرب المنسية ماذا عن الحرب المنسية



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates