عن يوسف فرج الدشت

عن يوسف فرج الدشت!

عن يوسف فرج الدشت!

 صوت الإمارات -

عن يوسف فرج الدشت

بقلم : د. آمال موسى

 

العمل الفني الذي يعالج بعمق وجدية واحترام كبير الداخل الإنساني ويصطف إلى جانب الانتصار وتوثيق متن المأساة التي لا توليها وسائل الإعلام بنشراتها في كل ساعة إلا القليل من الاهتمام، هو عمل يستحق أن تُرفَع له القبعة، وأن نُثنيَ على العاملين فيه، ونشدّ على يد كل من يفهم دور الفن ومناصرته اللامحدودة للإنسان، وبخاصة لأوجاعه التي تُداس بأقدام أرباب الحروب والعنف والقهر.

اللافت للانتباه أنه كلما كانت الدراما عميقة وإنسانية في رؤيتها وقضيتها شابهت الأدب في رِفعته وإبداعه وسحره.

يستحقُّ منَّا مسلسل «البطل» الكتابة والتحية؛ إذ إنه صيغ بعناية إبداعية عالية جداً: فالنص الذي ألَّفه الليث حجو ورامي كوسا عن فكرة مسرحية للراحل ممدوح عدوان قد توغل في البوح والتعبير لغةً وملامح وصمتاً وصراخاً وحباً ورصاصاً.

نعم ممدوح عدوان ذلك الأديب الرائع نصاً وإنساناً، والذي كان لي شرف التعرف إليه والتحدث مطولاً معه، وقراءة الشعر معه. كانت روحه المبدعة المختلفة حاضرة ترفرف في مسلسل «البطل»، الشيء الذي يجعلك تشعر أنك أمام عمل فني أكثر وأكبر من مسلسل.

العامل الثاني الذي عزز قوة عمل «البطل» هو مشاركة النجم الخطير بسام كوسا. أغلب الظن أن كثيراً منَّا يثق بدراما يشارك فيها بسام كوسا. وهنا أود أن أفتح هذا القوس القصير: طوبى للفنان الذي يصل إلى مرتبة الحجة المسبقة لأهمية العمل قبل مشاهدته. وهي علامة تختلف عمَّا يقوم به بعض المنتجين من جمعٍ لأسماء يرونها نجوماً معتقدين أن ذلك يكفي لضمان النجاح ونسب المشاهدة المرتفعة. وفي الحقيقة هذا التمشي القصير المدى في حين أن القيمة الفنية والصنعة والاحتراف في التمثيل والقدرة على الانتقال من شخصية في هامش السلطة والثروة والجاه إلى أخرى في قمتها مع اكتساب الخصائص النفسية الكاملة لكل شخصية... هذا ما يصنع القيمة الفنية لفنان مثل بسام كوسا، ولذلك نجد أنفسنا نثق بجودة العمل الذي يشارك فيه الفنان صاحب القيمة الفنية، لأنه لا يحط من قيمة فنّه ولا يحط من قيمة المشاهد.

وبصراحة إلى جانب «غول التمثيل» بسام كوسا فإن الممثلين كافة أبدعوا وكشفوا عن مناطق جديدة من موهبتهم؛ فإذا بمحمود نصر يؤكد موهبته وأنه يحمل الكثير للدراما مستقبلاً وأنه لا يعول على وسامته، وأيضاً الممثلة نور علي التي كانت في حاجة ماسة إلى هذا الدور كي تكشف عن بُعد آخر من موهبتها.

إذن، هناك قوة أداء تمثيلي وإخراج متقَن، ولكن قبل كل ذلك فإن الأحداث التي يعالجها هذا المسلسل هي التي أكسبت العمل القوة والتميز والتقدير. فتصوير الحياة اليومية للسوريين تحت الضرب والنزوح من البيوت وتشتت العائلات وتحول المدرسة التي هي رمز العلم والطموح والرافعة الاجتماعية والنور والحلم، إلى مراكز لإيواء الفارين من الحرب، كانت تصويراً واقعياً شافياً وضافياً، ولم يترك تفصيلاً في المشاعر والملامح لم يصوّره. والنجاح هو نقل الواقع من الشوارع والبيوت والغرف وداخل النفوس إلى الشاشة. ونعتقد أن تصوير الحياة تحت الضرب والخوف والرعب والمجهول وانسداد الأفق والبرد والجوع والظلام والوحدة والحب والتوتر، إنما يكشف عن عمق الرؤية والإلمام بالمشاعر كافة، بل أيضاً بأشكال التعبير غير المحدودة عبر نبرات الأصوات ولغات العيون.

في الظاهر يعالج المسلسل هامش الحرب في سوريا، ومأساة الناس هناك، وصعوبات الحياة اليومية، والتنفس بصعوبة، الأمر الذي جعل الهجرة حلماً يراود شخصيات مختلفة في مستوياتها ووعيها وظروفها، كأن ترك المكان هو الجامع بينهم. غير أنه في باطن الأمر يفعل الشيء ذاته: تصوير المعيش العاطفي القيمي والاجتماعي النفسي السوري.

لم يصمت المسلسل عن سقوط النظام في سوريا، واختار نهاية ملتبسة عبّر عنها وجود الطفل يوسف فرج الدشت: هذا الطفل حفيد يوسف الأستاذ والحامل تمويهاً لاسم فرج الدشت، ضحية العنف العائلي والاجتماعي الذي انهزم أمام ضيق ذات اليد وسلك طريق الفساد والاتجار بالبشر.

إن دلالات الطفل يوسف فرج الدشت مملوءة بالرموز، ومخيفة أيضاً، باعتبار أن الطفل هو المستقبل، وما يحمله من هويات وانتماء من التضارب، مما يجعل الصراع حول مَن الذي سيهيمن كفكرة وقيم واختيارات، صراعاً مفتوح السيناريوهات: يوسف الأستاذ الذي قضى غالبية حلقات المسلسل مُقعداً، مع ما يعنيه ذلك من شلل في الواقع، وفرج الدشت الذي قتله المخرج ولكنه ظل في وثيقة هوية الطفل يوسف فرج الدشت.

مسلسل «البطل» نجح جميع المشاركين فيه في أن يكونوا أبطالاً. ومصدر هذه المساواة في البطولة أن الجميع ينتمي إلى الإطار الواقعي للمأساة ويعيشونه، وكانوا ينافسون الواقع في القرب من الخيال.

مثل هذه الأعمال غير قابلة للتعريب لأنها عربية أصلاً؛ بدءاً بالوجع إلى ما يجاوره من مفردات الحياة. لذلك فهي الأقرب والأكثر صدقاً ومصداقية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن يوسف فرج الدشت عن يوسف فرج الدشت



GMT 09:05 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

كله سلف ودين

GMT 08:58 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

اللاعب رقم (13) فى السنغال

GMT 08:54 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

مصر والسنغال أم صلاح ومانى؟

GMT 08:45 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

طهران وخطوط واشنطن الحمراء

GMT 08:42 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية

GMT 08:40 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

ترمب: الأفضل لم يأتِ بعد

GMT 08:38 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

قبل الصدام الكبير إن حصل... لديّ حلم

GMT 08:35 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الأصْواتُ النَّشازُ ومَواقفُ المَمْلَكة

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - صوت الإمارات
تحتفل الفنانة المغربية سميرة سعيد بعيد ميلادها الثامن والستين، محافظة على حضور لافت يجمع بين الحيوية والأناقة، سواء في مسيرتها الفنية أو في اختياراتها الخاصة بالموضة. وتواصل سميرة الظهور بإطلالات عصرية ومتنوعة، تعكس ذوقاً شخصياً متجدداً يعتمد على الألوان الحيوية والتفاصيل المدروسة، ما يجعل أسلوبها مصدر إلهام لنساء من مختلف الأعمار. وفي أحدث ظهور لها بمناسبة عيد ميلادها، اختارت إطلالة كلاسيكية أنيقة باللون البنفسجي الفاتح، بدت فيها ببدلة مؤلفة من بنطال بطول الكاحل ذي خصر عالٍ مزود بجيوب جانبية، مع جاكيت محدد الخصر مزين بالجيوب والأزرار المعدنية عند المعصم، ونسّقت معها توباً أبيض بسيطاً. وأكملت الإطلالة بوشاح حريري قصير حول العنق منقوش بألوان متناغمة، مع صندل سميك من التويد باللون نفسه، واكتفت بأقراط صغيرة وتسريحة شعر ...المزيد

GMT 21:36 2026 الأحد ,18 كانون الثاني / يناير

مظلوم عبدي في دمشق لبحث تطورات الوضع السوري
 صوت الإمارات - مظلوم عبدي في دمشق لبحث تطورات الوضع السوري

GMT 02:20 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

فضل شاكر يتصدر جوائز Joy Awards 2026 بلقبين
 صوت الإمارات - فضل شاكر يتصدر جوائز Joy Awards 2026 بلقبين

GMT 20:17 2014 الخميس ,30 تشرين الأول / أكتوبر

الطقس في الإمارات العربية المتحدة غائم جزئياً الجمعة

GMT 18:37 2013 الإثنين ,25 آذار/ مارس

"قبل ينايربعد يناير" ديوان جديد ليسرى حسان

GMT 00:05 2017 الإثنين ,24 تموز / يوليو

الوصل ينفي تلقي فابيو دي ليما عرضًا قطريًا

GMT 18:57 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 17:04 2018 الإثنين ,10 أيلول / سبتمبر

" سي كي ون شوك" العطر الأكثر شعبية على الإطلاق

GMT 18:11 2018 الثلاثاء ,31 تموز / يوليو

الرياضة المغربية.. نتائج مهمة دون أي استراتيجية

GMT 06:15 2013 السبت ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

محادثات الأمم المتحدة بشأن المناخ تصل لطريق مسدود

GMT 16:40 2018 الجمعة ,16 آذار/ مارس

مجموعة من النصائح لإطلالة مثيرة في الربيع

GMT 06:56 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

مصارعات اتحاد الـ"WWE" يُعانين من ظلم مادي شديد

GMT 18:10 2017 الأربعاء ,26 إبريل / نيسان

تشكيلة خاصة من مجوهرات تيفاني أند كو لخريف 2017

GMT 11:33 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

"بلدية أبوظبي" تنفذ مشروع تطوير شبكات الري

GMT 21:20 2017 الإثنين ,04 أيلول / سبتمبر

"اينوك" تطلق وقودًا متطورًا من زيوت الطهي

GMT 16:52 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

توقعات بمبيعات ضخمة لهاتف "آيفون 5G" بحلول 2020

GMT 05:34 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

عريقات يؤكّد أن المساعدات الأميركية قُطعت في 2018
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates