تخدير الوعي وحلم الهجرة

تخدير الوعي وحلم الهجرة

تخدير الوعي وحلم الهجرة

 صوت الإمارات -

تخدير الوعي وحلم الهجرة

بقلم : د. آمال موسى

ماذا يعني أن يظل الحلم ثابتاً رغم تغيّر الواقع والمؤشرات والمعطيات؟

نطرح هذا السؤال في محاولة لفهم هوس الشباب في بلدان عربية عدة بحلم الهجرة، وكأنهم في انفصال تام عمّا يجري اليوم في أوروبا والعالم، وعمق التغيرات التي نظرياً تطفئ كل جاذبية حلم الهجرة.

المشكلة أن الحلم ظل نفسه، بل إنه تضاعف من حيث عدد الحالمين، والحال أن أوروبا لم تعد بأوضاعها الراهنة بيئة حاضنة لحلم شبابنا، ولا حتى مستوفية لاستحقاقات الحلم كما كانت في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات.

طبعاً هناك محركات تفسر إلى حد ما ثبوتية الحلم الدائم بالهجرة، سواء أكانت الهجرة عبر الدراسة أم عبر العمل وحتى الهجرة غير النظامية. واللافت أن ما يجمع بين مختلف محركات الهجرة في غالبية بلداننا هو المسألة الاقتصادية؛ حيث لا نستطيع أن نُقلل من أثر البطالة عموماً، وبطالة أصحاب الشهادات خصوصاً، وتدني مستوى الأجور والحق في البحث عن تأمين المستقبل مادياً. فهي دوافع ضاغطة وجدية، خصوصاً أن تراكم التحديات الاقتصادية والسياسية من تاريخ حرب الخليج الأولى إلى اليوم قد زاد في تأزم الأوضاع الاقتصادية في عدد كبير من البلدان العربية والإسلامية، الأمر الذي أثّر في قدرة النخب الحاكمة المتتالية على حل المعضلات الاقتصادية التي تضررت من تداعيات حروب الخليج والإرهاب وفاتوراته الباهظة على السياحة التي تُمثل في الاقتصاد الرئة الثالثة. من دون أن ننسى إرباكات ما يُسمى الثورات العربية وضربات جائحة الكورونا، وتداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، وصولاً إلى الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران.

كل هذا أسهم في تضييق الأفق أمام شبابنا، وذلك رغم كل محاولات الدول لتطويق أزمة التشغيل وتوفير الحد الأدنى من الرفاهية. بمعنى آخر، فإن بيئة الحالمين بالهجرة لم تتغير بقدر ما انحسرت الآفاق والفرص الاقتصادية، وهو ما يفسر في جزء ما ظاهرة الهوس بالهجرة نحو أوروبا في بلدان المغرب العربي بشكل خاص لاعتبارات تاريخية.

وطبعاً فإن الهوس يجعل صاحبه غير قادر على الانتباه، وعلى عقلنة الحلم وتنزيله على أرض الواقع. فحتى الحلم هو عقلاني بالضرورة، ولن يتحقق إلا بقبول الواقع الجديد له باعتبار أن ما يُميز الواقع هو التغير والحركة.

لا شك في أن الصورة التي رأيناها في سبتة بليغة جداً، وتندرج ضمن سياق فكرتنا، مع تدقيق مفاده أن هذه الصورة موجودة بأشكال مختلفة؛ حيث إن هوس الهجرة ما فتئ يتزايد، وعدد الذين تحقق حلمهم في الهجرة لا يساوي شيئاً أمام الذين ما زالوا يحاولون من دون يأس.

الجدير بالانتباه، وهو ما يدير له الحالمون بالهجرة ظهرهم، أن أبواب أوروبا باتت مغلقة، ومجتمعاتها مناهضة للمهاجرين، واليمين المتطرف يستغل ملف المهاجرين للصعود والانتشار ولممارسة الضغوط السياسية ضد خصومه، وقد نجحت الأحزاب اليمينية في ذلك إلى حد بعيد، بعد أن كانت ليست أكثر من ديكور في الديمقراطيات الأوروبية. فاليوم التشريعات في أوروبا وغيرها صارمة، خصوصاً بعد دخول الميثاق الجديد للهجرة حيّز التنفيذ، وهو ما يفسر اشتعال الخلافات بين إيطاليا وإسبانيا بسبب تدفق آلاف المهاجرين إلى سبتة الإسبانية.

ولا يخفى أن صعود اليمين المتطرف ما كان سنّ تشريعات صارمة ضد الراغبين في الهجرة والوافدين إلى أوروبا أكانوا من المغرب العربي أو مصر أو سوريا وغير هذه البلدان والجنسيات، لولا الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل أوروبا. وهنا نتساءل لماذا شبابنا يسد أذنيه عن كل الأخبار التي تهدم صورة أوروبا الجنة الموعودة في مخياله؟ ألم يسمع البعض منهم على الأقل عن التقرير الصادم الذي يقول إن الفرنسيين قلصوا عدد وجباتهم الغذائية في اليوم من ثلاث وجبات إلى اثنتين بسبب الإكراهات الاقتصادية؟

لنلاحظ جيداً أنه لم يحصل أن كانت أبواب أوروبا موصدة كما الحال منذ سنوات. وليس ذلك خوفاً من العرب والمسلمين بقدر ما يعود أولاً إلى الوجع الاقتصادي الأوروبي، وأزمة السكن في المدن الأوروبية، وارتفاع الأداء الضريبي والأنظمة الصحية الدوائية والعلاجية.

اليوم اختارت أوروبا الهجرة الانتقائية: تمنح التأشيرة والإقامة المحدودة فقط للمهندسين والأطباء والممرضين وأصحاب المهارات في التكوين المهني. أي تقبل ما تحتاج إليه من الكفاءات من دون زيادة، وتلبي بذلك حاجاتها بشروطها لا وفق انتظارات الأدمغة والكفاءات المهاجرة لها. نحن أمام قانون العرض والطلب في معالجة الهجرة؛ لذلك فإن بلداننا متضررة لا محالة، لأن الهجرة الانتقائية تفرغ بلداننا من الكفاءات، في حين أن أوروبا تدفع لهم معاشات زهيدة، وتسد بهم الشغورات الحاصلة لديها، وهم أنفسهم خاسرون ويعانون التمييز في عدد ساعات العمل والأجر والامتيازات.

الحل صعب، ولكنه واضح، وربما وضوحه يخفف من تحدياته وصعوباته: كيف نحول بلداننا إلى بيئة حاضنة لأحلام شبابها وراعية لها؟

لا مفر من إيجاد الحلول، والغربة كما تعاش اليوم تُعزز ضرورة الرهان على أوطاننا، وألا نمل من هذا الرهان أو نيأس.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تخدير الوعي وحلم الهجرة تخدير الوعي وحلم الهجرة



GMT 21:30 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

«حسبها أسودًا وهي أرانب».. قصة قصيرة

GMT 21:30 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

كزبرة وغزى.. ذبح موهبتين بنصل سكين بارد!!

GMT 21:29 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

المطرب العاري والآخر أبو فستان!

GMT 21:28 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

أين تنتهي خاصرتها؟

GMT 21:27 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

هل اللّقاحات... مؤامرة؟!

GMT 21:26 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

الغرب مشكلةٌ للعالم ولنفسه!

GMT 21:24 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

الأمم المتحدة نحو المجهول

GMT 21:24 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

سرديات الحروب

فساتين لافتة في حفلات نجمات الغناء هذا الأسبوع

القاهرة - صوت الإمارات
شهد هذا الأسبوع لحظات فنية وإطلالات لافتة لعدد من نجمات الغناء، حيث ارتبطت خيارات الأزياء بالعودة إلى المسارح الكبرى والأمسيات الغنائية؛ فجمعت الإطلالات بين الفساتين الرومانسية الهادئة والتصاميم الفاخرة ذات الطابع المسرحي. تألقت شيرين عبد الوهاب في حفل عودتها الجماهيرية على مسرح "بورتو جولف العلمين" بفستان طويل باللون الأزرق الفاتح من دار "Needle & Thread"، تميز بتطريزات أنيقة، وأكمام قصيرة منسدلة، وطبقات من الكشكش المتتالي، إضافة إلى فيونكة بارزة عند الصدر أضفت لمسة شبابية، حيث اعتمدت تسريحة شعر بتموجات عفوية ومكياجاً ناعماً أبرز حضورها العفوي المريح. وفي المقابل، أطلت ميادة الحناوي في عودتها لمهرجان قرطاج الدولي بفستان أزرق فاخر من تصميم منال عجاج، جاء بأكمام طويلة شفافة ومطرزة، مع وردة ثلاثية الأبعاد على الك...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 17:16 2019 الإثنين ,04 شباط / فبراير

أجدد إطلالات ميلانيا ترامب بموضة المعطف الفاخر

GMT 16:09 2018 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

قتلى وعشرات الجرحى في تفريق محتجين ضد كابيلا في كينشاسا

GMT 09:14 2019 الثلاثاء ,30 تموز / يوليو

فوائد زيت السمك في علاج قرح الفراش

GMT 20:40 2019 الأربعاء ,17 إبريل / نيسان

أستون مارتن مستمرة في تطوير "DB4 GT زاجاتو"

GMT 00:21 2019 السبت ,13 إبريل / نيسان

فريق الوصل يواجه شباب الأهلي الجمعة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates