الأمم المتحدة نحو المجهول

الأمم المتحدة نحو المجهول

الأمم المتحدة نحو المجهول

 صوت الإمارات -

الأمم المتحدة نحو المجهول

بقلم : أمير طاهري

مع استعداد أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، لإخلاء مكتبه والانتقال إلى مرحلة التقاعد، تتباين التقييمات لفترة توليه المنصب، بين وصفها بأنها «مقبولة» واعتبارها «متواضعة». يبدي البعض شعورهم بالتقدير تجاه دفاعه الحماسي عن الفلسطينيين، وموقفه المنتقد للحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران، في حين يهاجمه آخرون بسبب هذه المواقف المثيرة للجدل.

غير أن القضية الحقيقية تتمثل في تراجع مكانة وسلطة ما كان يُنظر إليه ذات يوم بوصفه أرفع منصب دبلوماسي في العالم. جدير بالذكر أن هذا المنصب استُحدث في وقت كان النظام العالمي، الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، يتجه نحو الحرب الباردة، من رحم فكرة مفادها أن وجود وسيط دبلوماسي بين الكتلتين الصاعدتين يمكن أن يمتص الصدمات، ويَحول دون اشتعال صراع مسلح جديد.

وتمثلت واحدة من الأفكار الأساسية هنا في جعل شن الحروب أمراً أقرب إلى المستحيل، ما لم تحصل على تفويض خاص من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وكان التدخل الذي قادته الولايات المتحدة في شبه الجزيرة الكورية، أول حرب تحظى بتفويض من مجلس الأمن. ومع ذلك، وجَّه الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، تريغفي لي، النقابي النرويجي الذي تحوَّل إلى العمل الدبلوماسي، انتقادات علانية لموقف واشنطن، في خطوة هدفت إلى إظهار أن الأمين العام ليس مجرد أداة طيِّعة في يد مجلس الأمن.

وتبنى لي كذلك موقفاً مستقلاً خلال أزمة تأميم النفط الإيراني، عندما هددت بريطانيا بغزو إيران.

اللافت أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم تستهجنا موقف لي؛ فقد قضى العرف السائد بأن يُنظر إلى الأمين العام للأمم المتحدة بوصفه ممثلاً لمؤسسة تعلو على مصالح الدول الأعضاء.

وظل الالتزام بهذه القاعدة غير المكتوبة قائماً، إلى حد كبير، عندما تولى الدبلوماسي السويدي داغ همرشولد، المنصب. وأتاح ذلك لهمرشولد الاضطلاع بدور نشط في تشجيع عملية تفكيك الاستعمار، خصوصاً في دول أفريقيا جنوب الصحراء. وقد أولى هذه القضية اهتماماً خاصاً، وربما كانت سبباً في موته إثر تحطم طائرة في حادث غامض.

من جهته، أعاد الدبلوماسي البورمي يو ثانت، الذي خلف هامرشولد، تفسير المنصب بوصفه بيروقراطياً في جوهره. وأشرف على توسع الأمم المتحدة في مجالات جديدة، وساعد على تنظيم مزيد من المؤتمرات. ومن بين الذين خلفوا ثانت، كان الدبلوماسي البيروفي خافيير بيريز دي كوييار، الوحيد الذي نجح في إنهاء ولايته من دون جدل وفضيحة. أما النمساوي كورت فالدهايم، أحد أوائل داعمي التطور الخميني في إيران، فقد انكشف أمره باعتباره ضابطاً نازياً سابقاً، متورطاً في اعتقال يهود في اليونان.

وتمكن المصري بطرس بطرس غالي من قلب الجميع تقريباً ضده، بكشفه عن بعض الأسرار الخفية، وانتهى به الأمر بفترة ولاية واحدة. أما الغاني كوفي أنان، فقد أبلى بلاءً حسناً في وقت عصيب، لكن انتهى به المطاف موصوماً بفضيحة برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق. وبموجب تفاهم قائم بين الدول الأعضاء، يجب اختيار الأمين العام من بين دول خارج الخمس، التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. العام الماضي، شددت الجمعية العامة قواعد اختيار الأمين العام، وأرست قدراً أكبر من الشفافية في هذه العملية. وحسب التقاليد المتبعة، يُفترض أن يكون الأمين العام القادم من خارج أوروبا وآسيا، مما يترك أميركا اللاتينية وأفريقيا بوصفهما المنطقتين الرئيسيتين لاستقطاب المرشحين.

من جهتها، رشَّحت دول أميركا اللاتينية مرشحين عدة، اثنان منهم فقط يمتلكان المؤهلات المطلوبة لهذا المنصب.

كان أحدهما رافائيل ماريانو غروسي، المدير العام الأرجنتيني للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي تتركز مشكلته في أن خافيير ميلي، الرئيس الحالي للأرجنتين ذي الميول اليمينية المتطرفة، لا يؤيده. ونظراً إلى قرب ميلي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فإن ميلي ربما يثير عداء واشنطن، هي الأخرى.

وتجابه الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت جيريا مشكلة مماثلة؛ فالرئيس التشيلي الجديد خوسيه أنطونيو كاست ينتمي إلى الجانب المقابل من الطيف السياسي، وهو كذلك مقرب من ترمب، الذي يعد باشيليت يسارية متطرفة.

من جهتها، قدمت أفريقيا هي الأخرى مرشحين رئيسيين: الأول الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، الذي يعد من أبرز المدافعين عمّا يُسمى بـ«الجنوب العالمي». إلا أن الدول الأوروبية تنظر إلى سال بعين الريبة، خصوصاً بسبب تقاربه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في خضم الحرب الأوكرانية. والأسوأ أن سال يمْثل أمام القضاء السنغالي بتهم عديدة تتعلق بفترة رئاسته المثيرة للجدل. وحتى الشهر الماضي، أبدت حكومة بلاده ترددها حيال دعم ترشحه.

أما المرشح الأفريقي الثاني البارز فهو أولارا أوتونو، الخبير الاقتصادي الأوغندي، الذي تتضمن سيرته الذاتية العمل في منظمات دولية. ويُضاف إلى هذه السيرة صداقة قصيرة مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون فيما مضى. بيد أن التساؤل القائم: هل تستطيع أوغندا حشد الدعم اللازم لأوتونو خارج حدودها؟

من ناحية أخرى، يسعى بعض الأعضاء لاختيار امرأة لمنصب الأمين العام. وجاء طرح الفكرة للمرة الأولى مع ترشيح رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بينظير بوتو، بوصفها أبرز المرشحين. إلا أنها استبعدت نفسها بإصرارها على محاولة استعادة رئاسة وزراء باكستان. وأخيراً، تعرضت للاغتيال في طريقها لتحقيق هدفها في إسلام آباد. والآن، ماذا عن حصان أسود قد يظهر قبل انعقاد الجمعية العامة في نيويورك، الشهر المقبل؟

هذه الأيام، يجري تناول اسمي امرأتين؛ إحدى المرشحات المحتملات أودري أزولاي، مغربية ـ فرنسية، المديرة العامة السابقة لـ«اليونيسكو»، والتي شغلت كذلك منصب وزيرة الثقافة الفرنسية. وعلى ما يبدو، يمكن لأزولاي الحصول على دعم كل من الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، ناهيك بجامعة الدول العربية.

إلا أن جنسيتها المزدوجة تشكل عائقاً. على أي حال، يجب ترشيحها من الرباط أو باريس أو كلتيهما.

ويتمثل الاحتمال الآخر المطروح في ريبيكا غرينسبان مايوفيس. بصفتها دبلوماسية من كوستاريكا، الدولة الأقل إثارة للجدل داخل ما يعرف بالعالم الجديد، وامرأة، يُمكنها الاستفادة من إجماع واسع. ورغم ذلك، من يدري، ربما يجري استدعاء حل غير متوقع في اللحظة الأخيرة ـأمر سبق حدوثه.

وبغض النظر عمّن سينال المنصب، يبقى التساؤل الحقيقي: ما الغاية من هذا المنصب؟

مهما كانت أوجه قصور غوتيريش، تظل الحقيقة أنه لم تجر استشارته حتى في أيٍّ من الأحداث الكبرى خلال فترة ولايته، فضلاً عن منحه مقعداً على طاولة المفاوضات. كما أن استهدافه بهجمات شخصية، أمرٌ مجحفٌ للغاية.

ماذا يمكن للأمين العام أن يفعل عندما تُشنّ دولٌ تمتلك حق النقض (الفيتو)، مثل روسيا والولايات المتحدة حروباً، أو تُهدّد بذلك على غرار ما تفعله الصين؟

إذا كان المنصب مجرد مظهرٍ كما كان الحال مع كوفي أنان، فإنّ رجلاً أو امرأةً يتمتعان بمظهرٍ جذابٍ ويجيدان لغاتٍ عدّة سيفي بالغرض. وإذا كانت المهارات الإدارية مطلوبةً لإدارة منظومةٍ ضخمةٍ ومكلفةٍ، فلا بدّ من البحث خارج نطاق الدبلوماسيين، نحو جيلٍ جديدٍ من قادة الأعمال الشباب. وعند إمعان النظر فيما سبق، يتضح لنا أنه عشية انعقاد الجمعية العامة، لا يزال العالم، والأمم المتحدة معه، يسيران نحو المجهول.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأمم المتحدة نحو المجهول الأمم المتحدة نحو المجهول



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates