فرنسا ومخاطر الانتخابات

فرنسا ومخاطر الانتخابات

فرنسا ومخاطر الانتخابات

 صوت الإمارات -

فرنسا ومخاطر الانتخابات

بقلم : أمير طاهري

باستثناء مفاجأة لا تزال ممكنة، قد يكون لفرنسا يوم الأحد أول حكومة يمينية متشددة منتخبة بقيادة حزب التجمع الوطني (الجبهة الوطنية سابقاً) بقيادة مارين لوبان. المرة الوحيدة الأخرى التي ظهرت فيها هذه السياسة كحكومة في فرنسا كانت في الأربعينات في عهد المارشال فيليب بيتان، ورئيس الوزراء إدوار دلادييه، إبان الاحتلال الألماني.

وعلى مستوى أوسع، ستكون هذه هي المرة الثانية - منذ الانتخابات العامة في جمهورية «فايمار» في ألمانيا عام 1932- التي يفوز فيها حزب يميني متطرف بأغلبية برلمانية مباشرة في إحدى الديمقراطيات الأوروبية الكبرى.

لكن هل ينبغي لنا أن نسارع إلى الانضمام لهؤلاء الذين ينتمون إلى أقصى اليسار، والذين يطلقون استغاثات ملتاعة إزاء سيطرة «الفاشية» على فرنسا؟ لا أعتقد ذلك.

من المؤكد أن التجمع الوطني يتقاسم عدداً من السمات مع الفاشية، على سبيل المثال: الفهم الضيق للأمة القومية، والنبرة المعادية للأجانب، وعبادة الزعيم. ومع ذلك، فإن «التجمع الوطني» هو وريث لتقليد سياسي له جذور عميقة في التاريخ الفرنسي الحديث.

تشكل هذا النوع الخاص من السياسة اليمينية عبر المنافسة مع نوعين آخرين: «البونابرتية: نسبة إلى نابليون بونابرت» مع أحلامها في بناء الإمبراطورية وعبادة المُنقذ، و«الأورليانية: نسبة إلى أسرة أورليان الفرنسية» التي تستند على الطبقة الوسطى الحضرية ووعود الرخاء والازدهار.

وقد وجدت أول تعبير لها في انتفاضة «الشوانوري» ضد الثورة الكبرى عام 1879، التي منحت الحركة الوليدة طابعاً مناوئاً لليسار منذ البداية.

في حين أن انتفاضة «الشوانوري» اتخذت صورة النسخة البدائية من حرب العصابات أو «الجاكيري» بالفرنسية، فإن حركة اليمين المتطرف الناشئة قد اكتسبت تدريجياً قاعدة حضرية من خلال ما يُعرف باسم البرجوازية الصغيرة للغاية، التي خشيت العنف من البروليتاريا الآخذة في الاتساع، مع تكثيف التصنيع، وتزايد القلق من فقدان الهوية الوطنية، وعلى رأسها المسيحية في المقام الأول.

إثر الانقسام بين اليمين الراديكالي واليسار الراديكالي، لم تنجح السياسة الفرنسية في بناء مؤسسات وممارسات ديمقراطية دائمة. تشكلت الأحزاب السياسية حول شخصيات كاريزمية، ولكن على عكس بريطانيا العظمى أو الولايات المتحدة، نادراً ما نجت من اختفاء تلك الشخصيات.

كان اليمين المتطرف في فرنسا يعتمد دائماً على 3 حالات من الضغائن:

الأولى، كانت فقدان الملكية نتيجة للثورة التي قدمها المفكرون اليمينيون المتطرفون باعتبارها مؤامرة من قبل القوى الأجنبية ضد فرنسا، التي كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم في ذلك الوقت.

والثانية، فقدان الإمبراطورية والدماء الفرنسية نتيجة لما أسماه روبرت برازياك - أحد كبار اليمين المتطرف في فرنسا - «الطموحات المجنونة» التي أطلقها نابليون بونابرت. وفي كتابه «طفل الليل»، يتحسر برازياك على إعادة رسم الخريطة الأوروبية بالدماء الفرنسية وامتزاجها بدماء أجنبية.

في ما بعد، شكّلت أفكار برازياك العمود الفقري الآيديولوجي للجماعة الإرهابية الأولية المعروفة باسم «أكسيون فرانسيز» أو «الحركة الفرنسية».

والحالة الثالثة هي ما عدّه بعض الكتاب تجريد فرنسا من «الفَرْنَسة» في أعقاب هزيمة عام 1970 على يد ألمانيا بقيادة بروسيا. وفي هذه الحالة، وُجهت أصابع الاتهام بصفة خاصة إلى اليهود، ما أدى إلى «قضية دريفوس» التي اتُهم فيها ضابط في الجيش الفرنسي ظُلماً بالتجسس لصالح الألمان.

في أحد المعسكرين هناك أولئك الذين يرغبون في الحفاظ على «الفرانسيتيه» أو النزعة الفرنسية الخالصة. في حين يحاول المعسكر الآخر، أنصار «القيم العالمية» للثورة العظمى، إذابة الهوية الفرنسية في أخوة إنسانية غير متبلورة تحت مسمى الحرية والمساواة.

الواقع أن الجبهة الوطنية - التي تطرق الآن باب السلطة في باريس تحت اسم التجمع الوطني - مُستلهمة من عدد من الشخصيات، بما في ذلك السياسي «جاك سوستيل»، والمحامي «تيكسييه ڤيغنانكور»، اللذين أعربا عن آلام «الإذلال الوطني».

ترجم «جان ماري لوبان» وعشرات من رفاقه هذا الاستياء إلى عمل سياسي من خلال تشكيل الجبهة الوطنية. أدرك لوبان أنه إذا اقتصر الأمر على الحنين والاستياء ومخاوف الطبقات المتوسطة الدنيا، فلن تُتاح لحزبه فرصة تُذكر للفوز بالسلطة عبر صناديق الاقتراع.

قد فشلت نسخة سابقة من «الليبينية» نسبة إلى جان ماري لوبان، والمعروفة باسم «البوجادية» نسبة إلى السياسي الفرنسي بيير بوجاد، في الخمسينات، لأنها لم تحقق أي تقدم في تلك الدوائر الانتخابية الرئيسية.

إن كل الحركات اليمينية المتطرفة تستخدم عبارة «نحن وهم» كنموذج لخطابها. لقد حوّلت الحركة «الليبينية» المعركة ضد الهجرة إلى نقطة انطلاق في سعيها إلى السلطة.

بعد أن طرحتُ كل ما سلف، تبقى الحقيقة أن كل ما لدينا من «التجمع الوطني» هو رسم انطباعي يصور «التجمع الوطني» على أنه معادٍ للأجانب، ومعادٍ للإسلام، ومعادٍ للسامية، ومشكك في أوروبا.

لكن هذا مجرد انطباع. يبدو برنامج «التجمع الوطني» للحكومة مثل قائمة جرد لمتجر للحلوى، مملوء بالسلع التي لا يتضح أين ومتى يمكن تقديمها.

الأمر المؤكد هو أن حزب التجمع الوطني صار الآن أكبر حزب سياسي في فرنسا، وتدعمه نسبة لا تقل عن 40 في المائة من الناخبين. حتى لو لم يفز بأغلبية في البرلمان الجديد، فإنه سوف يكون اللاعب الرئيسي في السياسة الفرنسية في المستقبل المنظور.

يرى بعض الخبراء أن ذلك الأمر يمثل تهديداً للديمقراطية الفرنسية. ربما، لكن شيطنته تشكل تهديداً أعظم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فرنسا ومخاطر الانتخابات فرنسا ومخاطر الانتخابات



GMT 19:45 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

ثمن الاختيار

GMT 19:44 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

GMT 19:43 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

لا غضب لا كبرياء

GMT 19:42 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

الإخوان و«المال السايب»

GMT 19:41 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

وثيقة ترمب الأمنية... الانكفاء إلى الداخل

GMT 19:40 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

آثار فعل ارتفاع أسعار النفط

GMT 19:38 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

«لات ساعة مندم»!

GMT 22:20 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

مهزلة «الطيبات»!

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش - صوت الإمارات
شهدت مدينة مراكش أجواءً استثنائية من الفخامة والأناقة خلال فعاليات “أسبوع القفطان المغربي” في دورته السادسة والعشرين، والذي احتفى بجمال القفطان المغربي باعتباره أحد أبرز رموز التراث والأزياء التقليدية الراقية. وحرصت العديد من النجمات والإعلاميات العربيات على الظهور بإطلالات مستوحاة من روح القفطان المغربي الأصيل، بتصاميم مزجت بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية. وتألقت الفنانة غادة عبدالرازق بقفطان باللون الأخضر الزمردي تميز بتطريزات ذهبية كثيفة مستوحاة من الطابع التراثي المغربي، مع حزام مطرز أبرز أناقة التصميم، واختارت تنسيق أقراط مرصعة بأحجار الزمرد مع تسريحة شعر بسيطة على شكل ذيل حصان مرتفع. كما ظهرت مريم الأبيض بإطلالة مشرقة بقفطان أصفر لافت، جمع بين القماش الانسيابي والتفاصيل المعدنية اللامعة، وزُين ب...المزيد

GMT 11:47 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

تتويج شباب الأهلي بطلاً لدوري 13 سنة

GMT 17:06 2017 الثلاثاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

مايا نعمة تعيش قصة حب جديدة مع شربل أبو خطار

GMT 07:12 2019 الإثنين ,16 كانون الأول / ديسمبر

افردي شعرك بنفسك من دون أدوات الحرارة

GMT 19:52 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

قطاع الطاقة مصدر للوظائف الواعدة للشباب الإماراتي

GMT 17:55 2016 الإثنين ,18 إبريل / نيسان

سبعة قتلى والفا نازح جراء فيضانات في الاوروغواي

GMT 13:21 2013 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الطاقة الشمسية لتخفيف الأحمال عن المارينز

GMT 23:11 2013 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس البيلاروسي يوقع مرسومًا ببناء محطة كهروذرية في بلاده

GMT 09:27 2014 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

الطقس في فلسطين غائمًا جزئيًا إلى غائم وباردًا الخميس

GMT 06:25 2013 الخميس ,11 إبريل / نيسان

ديبي جيبسون تظهر ساقيها في فستان قصير

GMT 11:57 2017 الإثنين ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

زلزال بقوة 7,3 درجات يضرب شرق كاليدونيا الجديدة

GMT 13:06 2015 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

حالة الطقس المتوقعة اليوم الثلاثاء في السعودية

GMT 13:37 2017 الأربعاء ,04 تشرين الأول / أكتوبر

عرض رأس الفيلسوف جيريمي بنثام صاحب فكرة "بانوبتيكون"

GMT 12:46 2017 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار النفط تغلق على انخفاض طفيف عند التسوية.

GMT 08:13 2020 الأربعاء ,08 تموز / يوليو

كرواسان محشو بالنوتيلا والموز

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates