الفرنسي الذي تحدى ماركس

الفرنسي الذي تحدى ماركس

الفرنسي الذي تحدى ماركس

 صوت الإمارات -

الفرنسي الذي تحدى ماركس

بقلم : أمير طاهري

حتى بعد فترة طويلة من قيادة دنغ شياو بينغ الصين للخروج من المأزق الماركسي الذي خلقه ماو تسي تونغ، كان الخطاب الرسمي يركز دائماً على الحرف «ب» الذي يرمز إلى البروليتاريا (طبقة العمال). ولقد أكدت القيادة شرعيتها بالرجوع إلى الطبقة العاملة، أي المنتجين في اقتصاد العرض. ومن هذه الزاوية، كان منتجو فائض القيمة هم محور السياسة الاقتصادية.

لكن في مداخلاته الأخيرة في النقاش العام، أضاف الرئيس الصيني شي جينبينغ حرفاً جديداً، وهو حرف «م» الذي يرمز إلى المستهلك. وشدد على ضرورة إعطاء الأولوية لمصالح المستهلك في صياغة الاستراتيجية الاقتصادية للجمهورية الشعبية.

يعكس التحول من حرف «ب» إلى حرف «م» التغيرات الجذرية التي شهدتها الصين في ظهورها كقوة اقتصادية عالمية حديثة.

قبل عشرين عاماً، كان الصينيون منتجين، يزودون العالم بمنتجات رخيصة لا يستطيع معظم مواطني جمهورية الصين الشعبية تحمل تكلفة شرائها. أما اليوم، ورغم ذلك، تحتل الصين المرتبة الثانية في سوق الاستهلاك بعد الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تتجاوزها في تعادل القوة الشرائية للمستهلك (ppp).

عندما كان المنتج محور السياسة، كان من المفترض أن تحسين مستويات المعيشة لا يمكن أن يتحقق إلا بارتفاع الأجور والرواتب. ولكن اتباع هذا المسار كان سيحرم الصين من إحدى مزاياها النسبية، ألا وهي العمالة الرخيصة. فارتفاع الأجور والرواتب سيجعل السلع والخدمات الصينية أكثر تكلفة، مما يؤدي إلى خسارة أو تقلص أسواق التصدير لديها.

يبدو أن الاقتصاديين الصينيين، في أثناء بحثهم عن خيارات أخرى، عثروا على اقتصادي فرنسي شبه منسي من القرن التاسع عشر، ذلك الذي تحدى المد الصاعد للاقتصاد الماركسي في عصره وتركيزه على منتج فائض القيمة، أي الطبقة العاملة.

المنافس الفرنسي لماركس الذي أُعيد اكتشافه هو فريدريك باستيا، الذي تُرجم كتابه «المرئي وغير المرئي» إلى اللغة الصينية في عام 2014، ووفقاً لأفضل المعلومات المتاحة، فقد بيعت منه ملايين النسخ. أعقبت ذلك ترجمة مجموعة من الخطب التي ألقاها باستيا خلال فترة خدمته عضواً في الجمعية الوطنية الفرنسية.

من المرجح أن الرئيس الصيني شي اطَّلع على كتاب باستيا قبل عقد من الزمن، عندما اكتشف هو وقادة صينيون آخرون أطروحة الألماني كارل شميت بشأن السياسة.

أوضح شميت لشي كيف يمكن اكتساب الدولة للشرعية من خلال النجاح في فرض الانضباط، وضمان الأمن، وتوفير الرخاء، والحد من الفساد.

من جانبه، علّم باستيا أشياء عدة منها: تقليص آلية الدولة إلى أصغر حجم ممكن، مما يسمح لطاقات ما يسمى المجتمع المدني بممارسة دور أكبر. وبينما كان الاقتصاديون الماركسيون يدعون إلى التخطيط المركزي وزيادة الإنفاق الحكومي، أظهر باستيا أن الدول الأكثر نجاحاً التي أنشأتها الثورة الصناعية تمكنت من الحفاظ على حصة الناتج المحلي الإجمالي التي تسيطر عليها الدولة عند الحد الأدنى.

الطرح التالي الذي قدمه باستيا هو أن تحسين مستويات معيشة المواطنين لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال رفع الأجور والرواتب، لأن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار من خلال التضخم، ويؤدي بالتالي إلى نتيجة عكسية. وقد أظهر أن أكثر من 60 في المائة من التحسينات في مستويات المعيشة في الدول الصناعية في أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر جاءت من خلال خفض الأسعار وليس من خلال رفع الأجور. وأدى هذا الاقتراح إلى أكبر فرضية طرحها باستيا: إن الطريقة الأضمن لتحسين حياة البشرية جمعاء هي التجارة الحرة في نظام اقتصاد السوق.

إذا كانت الأسعار المنخفضة هي مفتاح الازدهار، فسوف يحتاج المنتجون إلى مزيد من المستهلكين، أي توسيع الأسواق التي يمكن أن تعزز الإنتاج الضخم الذي يُخفض التكاليف. بعبارة أخرى، إذا وسَّعت الطلب فستكون قد حققت هدفك.

بأسلوبه الساخر المميز الذي دافع به عن أطروحاته، اقترح باستيا أن الحكومة في ذلك الوقت، التي كانت قلقة بشأن البطالة الجماعية، بدلاً من تبني الحمائية، يجب أن تحرق باريس ثم تعيد بناءها من خلال توظيف مئات الآلاف من الأشخاص وخلق طفرة اقتصادية.

في أكثر صورها راديكالية، سوف تُترجمُ هذه الفرضية إلى سياسة عدم فرض رسوم جمركية. يقول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي من الواضح أنه ليس من المعجبين بشخصية باستيا، إنه يعد الرسوم الجمركية أجمل كلمة في قاموس اللغة الإنجليزية، وهو مصمم على تفكيك أكبر قدر ممكن من الهيكل الذي أقامته أربعة عقود من العولمة.

لذا، فإننا نشهد مشهداً غير مألوف، حيث يقف زعيم دولة رفعت أولاً راية التجارة الحرة العالمية لعقود من الزمن في مواجهة زعيم دولة أخرى قائمة على النظريات الماركسية للاقتصاد الموجَّه، بصفته معارضاً ومؤيداً لمذهب باستيا بعدم فرض الرسوم الجمركية. وغنيٌّ عن القول إن نظام باستيا -على الرغم من أنه كان سوف يرفض مثل هذه العبارة- فهو نظام مناهض للحمائية.

إن اكتشاف القادة الصينيين لباستيا، نقيض محبوبهم السابق ماركس، هو خبر سار لكلٍّ من الصين والعالم. ومع ذلك، سيكون من الخطأ تحويل الباستيّة -إذا أمكن صياغة مثل هذا الشعار- إلى عقيدة راسخة.

والأهم من كل ذلك، أن باستيا لم يكن على دراية بالهياكل الحكومية الحديثة التي حوَّلت كتاب توماس هوبز «اللفياثان» إلى آلة تنظيمية في خدمة المصالح الخاصة، والآيديولوجيات العصرية الرائجة، وعبادة الضحية الوهمية.

لم يفز باستيا بالنقاش حتى في منتصف القرن التاسع عشر في فرنسا، عندما لم تكن «اللفياثان» بالتأكيد آلة تحكم شاملة كما هو الحال مع الجهاز الحكومي الصيني اليوم.

تضع حرب الرسوم الجمركية الحالية ترمب في موقع الحمائي المستوحى من ديفيد ريكاردو، ناهيكم بكارل ماركس، في مواجهة شي جينبينغ الذي اكتشف آدم سميث عبر فريدريك باستيا. يُظهر هذا الصراع أن الأفكار أيضاً لها سوق حرة ويمكن أن تنتشر في اتجاهات مختلفة على مدى فترات زمنية مختلفة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفرنسي الذي تحدى ماركس الفرنسي الذي تحدى ماركس



GMT 03:00 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

القواعد الأجنبية

GMT 02:58 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

الحمد لله قدّر ولَطَف

GMT 02:57 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

الاستخدام السياسى للكرة

GMT 02:55 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

الكلمة ليست «للميدان» فقط

GMT 02:53 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

حروبٌ بلا سلاح

GMT 02:51 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

مَن هو الخليجي

GMT 02:49 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

شاعر اليونان كانَ مصريّاً

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - صوت الإمارات
تحرص الفنانة درة على تقديم إطلالات يومية متجددة تعكس أسلوبًا عمليًا وأنيقًا في آنٍ واحد، خاصة خلال موسم ربيع 2026، حيث ظهرت في مجموعة من الإطلالات التي تناسب النزهات الصباحية والتنقلات اليومية، مع الحفاظ على لمسة أنثوية راقية وتفاصيل عصرية تمنحها حضورًا لافتًا دون مبالغة. في أحدث ظهور لها، اختارت درة إطلالة بسيطة مستوحاة من أسلوب الشارع، تمثلت في بنطال قصير وضيق باللون الأسود مع توب بنفس اللون، ونسقت فوقهما معطفًا خفيفًا باللون الكريمي بقصة مستقيمة وياقة عريضة، ما أضفى توازنًا أنيقًا على الإطلالة. وأكملت مظهرها بحذاء مدبب بكعب عالٍ، وسكارف منقوش حول العنق، مع حقيبة كتف داكنة ونظارة شمسية كبيرة، واعتمدت تسريحة شعر ويفي منسدلة. وفي إطلالاتها الصباحية الأخرى، برزت صيحة بنطال الدنيم كخيار أساسي، حيث اعتمدت تصاميم متنوعة تجمع ...المزيد

GMT 19:12 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 20:53 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 21:27 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 03:44 2019 السبت ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

"يورونيوز" يعلن أن دبي تقضي على البيروقراطية

GMT 12:19 2018 الإثنين ,29 كانون الثاني / يناير

شركات سيارات تفضح استخدام قرود في تجارب على العوادم

GMT 09:14 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

حالة الطقس المتوقعة في السعودية الأربعاء

GMT 08:16 2014 الأحد ,26 تشرين الأول / أكتوبر

شركة "بي أم دبليو" تختبر سياراتها من دون سائق في الصين

GMT 19:35 2022 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

مبادرة ترسخ الهوية وتدعم بناء مجتمعات المعرفة في دبي

GMT 20:56 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

منظمة حقوقية تعلن الإفراج عن 6 مختطفين غرب ليبيا

GMT 21:31 2019 الأربعاء ,05 حزيران / يونيو

نبيل شعث يطالب بتفعيل المقاطعة الشاملة على إسرائيل

GMT 03:43 2019 الإثنين ,25 شباط / فبراير

أغنية جديدة للهضبة من كلمات تركي آل شيخ
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates