بقلم: عبد المنعم سعيد
َكما أن المولود لا يأتى إلا بعد آلام الولادة التى تضيف خلقا آخر؛ فإن القرون السابقة للثورة الفرنسية شهدت ما سمى عصر «التنوير» علما ومعرفة؛ وفيها مع الحروب النابليونية التى تلتها جعلت من ميلاد الدولة الوطنية جديدا يفوق الإمبراطوريات، والصراع بين العروش التى تحكم فى أوروبا بينما رعاياها يمتدون إلى قارات أخرى. الثورة الصناعية الأولى جعلت البخار طاقة الآلات التى تشكلت فى سفن سريعة، وقطارات أكثر سرعة، والمدافع تجعل التدمير موجها للمدن، والقتل شاملا للجماعة. أصبحت الدولة الوطنية فى أوروبا نبراسا من الكلمة والرصاصة امتد من القرن العشرين إلى العالم. ولم يحدث تمجيد فى تاريخ المنطقة العربية للدولة الوطنية كما حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ والآن فإن العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان تواجه أسئلة صعبة واختبارات مستحيلة خلال عقد من بزوغ ما سمى «الربيع العربي». وبينما كان الحدث ارتجاجا فى شكل الدولة العربية بعد الحرب العالمية الثانية فإن الدول التى نجت منه أو نجحت فى مواجهته، كانت هى التى لم تبق فقط على الدولة الوطنية، ولكنها أقامت مشروعا وطنيا للمحافظة عليها. ولكن المرحلة ذاتها أعطت مجالا للاختراق لدول الجوار القريبة وفى المقدمة منها إيران وإسرائيل التى أخذت فى التوسع تحت رايات الميليشيات أو القوة المسلحة والمستوطنات.
لم يعد هناك شك فى المشروعات الإيرانية والإسرائيلية لتغيير «الشرق الأوسط» سواء بأذرع إيران الممتدة إلى دول عربية، والثانية القوة الإسرائيلية المزودة بالدعم الأمريكى أو بدونه. فى الشرق الأوسط تجرى حروب كثيرة؛ فلا تزال حرب غزة الخامسة جارية؛ و«حرب الخليج الرابعة» باتت ممزقة ما بين ضربات عسكرية حادة من قبل الولايات المتحدة؛ بينما إيران تواجه ذلك إما بالضربات المباشرة لدول الخليج العربية؛ أو عن طريق الأذرع الملتصقة بها؛ خاصة تلك التى توجهت صواريخها من العراق إلى السعودية ويستجاب لها بضربة مضادة إلى ملجأ قوات الحشد الشعبى فى الأراضى العراقية!.