آسيا عظيمة أيضاً

آسيا عظيمة أيضاً

آسيا عظيمة أيضاً

 صوت الإمارات -

آسيا عظيمة أيضاً

بقلم - سوسن الأبطح

 

نصف قرن من الرفاه الغربي، قام على أكتاف فقراء الآسيويين، من بينهم من يسميهم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس «الفلاحين الصينيين». هؤلاء دفعوا من دمائهم، وروابطهم الأسرية، باهظ الأثمان، وقضوا أعمارهم، في أقبية مصانع الشركات العابرة للقارات.

لا تزال حادثة انهيار مبنى «رانا بلازا» الشهيرة في بنغلاديش التي ضجّت بها الصحف العالمية عالقة في البال، رغم مرور الأعوام. يومها ثلاثة آلاف عامل بين قتيل وجريح، معظمهم من النساء، أصيبوا دفعة واحدة، بسبب إهمال شركات كبرى، نتباهى ونحن نرتدي ملابسها من دون أن نتذكر، أولئك الذين اضطروا للعمل في مبنى مشقق آيل للانهيار. ورغم أن طوابقه السفلية أخليت بسبب الخطر، شركات ملابس عالمية قررت أن على العاملات أن يبقين، فمتن ومنهن من بترت أطرافهن. الفقراء يرحلون بصمت، والأغنياء لهم الميكروفونات ومكبرات الصوت. حوادث العمالة، من تسمم، وسرطانات، وشلل، واختناقات، أصبحت مألوفةً في مصانع تدفع للعامل ملاليم، وتبيع منتجاتها «الراقية» بآلاف الدولارات.

انتقال المصانع الغربية إلى دول آسيوية مثل الصين والهند وفيتنام وبنغلاديش في ثمانينات القرن الماضي، الذي تعدّه أميركا إجحافاً بحقها، هو خيارها الذي عاش بفضله الغرب ترفاً استثنائياً بأرخص الأسعار، دافعاً بمهمة التصنيع القذرة إلى بؤساء ارتضوا المهمة تحت وطأة الحاجة، وجنت الشركات الغربية تريليونات الدولارات من الأرباح الخالصة.

بدأت المصانع بالانتقال مع الإصلاحات الصينية عام 1978، تلتها فيتنام مع إصلاحات «دوي موي» الاقتصادية عام 1986، أما بنغلاديش والهند فقد انضمتا إلى الموجة في تسعينات القرن الماضي. نعمة للمستثمر أن يتقاضى العامل البنغلاديشي 3 دولارات في اليوم، ويعمل 12 ساعة، مع تسهيلات ضرائبية وبنى تحتية. عززت أميركا هذا الوضع المربح باتفاقيات التجارة الحرة، وعدّتها من ملامح العولمة والانفتاح اللذين أثمرتهما حضارتها الليبرالية. فلا أولوية تفوق الربح الوفير والأكلاف المنخفضة، ولا قيمة تعلو على الحرية. أو ليس «العالم قرية صغيرة» حسب المفكر الكندي هربرت مارشال ماكلوهان، الذي ربما كان غيّر رأيه لو بقي حياً بيننا.

حققت «أبل» إيرادات بلغت 394 مليار دولار عام 2023 وحده، بفضل جهد عمال صينيين، يكدحون بمقابل هزيل من دون استراحة. أما أطفال الكونغو فيعملون في مناجم «الكوبالت» لتلبية الطلب على بطاريات السيارات الكهربائية. ويعيش كثيرون في الهند، صاحبة رابع اقتصاد عالمي، على أقل من 4 دولارات في اليوم. في الصين ثمة نمو اقتصادي هائل لكن الفجوة الاجتماعية متسعة، والفروق ظالمة بين الريف والمدينة، ومعاناة جماعية بسبب النزوح إلى المراكز الصناعية.

لم يكن كدح الآسيويين في مصانع أغنياء الكوكب بلا تضحيات امتدت لأجيال. أصبحت نيودلهي بعدها من أكثر المدن تلوثاً بسبب كثافة المصانع. وحكي كثيراً عن الصين وهوائها القاتل، ولا يزال عمالها يعانون من أخطار المناجم على أنواعها، وبينها المعادن النادرة التي تتسبب بأزمات بيئية قاتلة، ويروج لها وكأنها تقطف كالتفاح من الشجر. متوسط دخل الفرد في الصين لا يزال دونه كثيراً في أميركا، وهو ما يفسر، بقاء تصنيفها، رغم عظم حجمها الاقتصادي والإنتاجي، ضمن الدول النامية، وهو ما تعترض عليه أميركا. حتى الأطفال السوريون اللاجئون في تركيا لم يسلموا من استغلال مصانع الشركات الكبرى.

نمت صادرات الصين من 20 مليار دولار عام 1980 إلى 2.5 تريليون دولار عام 2020. أدت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة بعد 2018 إلى تحويل الاستثمارات إلى فيتنام وبنغلاديش، مما وسع نطاق الظاهرة. لكن الفائض التجاري الفيتنامي ارتفع من 39 مليار دولار عام 1918 إلى 123 ملياراً عام 2024، مما جعلها صاحبة ثالث أكبر فائض تجاري مع أميركا، بعد أن اعتمدتها الشركات الأميركية الكبرى مثل «نايكي» و«أديداس» و«أبل» لتصنيع منتجاتها.

فيتنام لم تخرج بعد من فقرها. الشعب الكادح تعبه المضني يستحق التأمل والتقدير. النساء، كما الأطفال قبل الرجال، ينبشون الأرض بأيديهم، يصنّعون قطع الحلوى واحدةً واحدةً، يغلفونها بصبر وسرعة شديدين، يلصقونها بعناية كما نفعل مع هدايانا الموسمية. مع ذلك استحق هذا الشعب ضرائب جمركية وصلت إلى 46 في المائة من أميركا في تعريفاتها الجديدة.

علماً بأن الحد الأدنى للأجور في مصانع الشركات الكبرى في العاصمة الفيتنامية لا يتعدى المائتي دولار في الشهر، وينخفض إلى النصف خارج العاصمة.

تقول رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني إنها تريد أن تعود أوروبا عظيمةً من جديد، ويجب أن تعود أميركا عظيمة أيضاً. ونحن نريد أن تكون كل الأمم سعيدة، ومكتفية، وخارج دائرة الاستغلال. وهذا يستحق إعادة نظر شاملة، في دورة تجارية يعيش فيها جزءٌ من العالم على دماء وجهد جزء آخر، وكأنما سخّر البعض للبعض بشبه المجّان، وهذا ما تحاول دول آسيوية أن تتمرد عليه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

آسيا عظيمة أيضاً آسيا عظيمة أيضاً



GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

سؤال غير محترم!

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

سؤال غير محترم!

GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - صوت الإمارات
تحرص الفنانة درة على تقديم إطلالات يومية متجددة تعكس أسلوبًا عمليًا وأنيقًا في آنٍ واحد، خاصة خلال موسم ربيع 2026، حيث ظهرت في مجموعة من الإطلالات التي تناسب النزهات الصباحية والتنقلات اليومية، مع الحفاظ على لمسة أنثوية راقية وتفاصيل عصرية تمنحها حضورًا لافتًا دون مبالغة. في أحدث ظهور لها، اختارت درة إطلالة بسيطة مستوحاة من أسلوب الشارع، تمثلت في بنطال قصير وضيق باللون الأسود مع توب بنفس اللون، ونسقت فوقهما معطفًا خفيفًا باللون الكريمي بقصة مستقيمة وياقة عريضة، ما أضفى توازنًا أنيقًا على الإطلالة. وأكملت مظهرها بحذاء مدبب بكعب عالٍ، وسكارف منقوش حول العنق، مع حقيبة كتف داكنة ونظارة شمسية كبيرة، واعتمدت تسريحة شعر ويفي منسدلة. وفي إطلالاتها الصباحية الأخرى، برزت صيحة بنطال الدنيم كخيار أساسي، حيث اعتمدت تصاميم متنوعة تجمع ...المزيد

GMT 08:43 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تساقط الثلوج على قرية عسير يزيد جمالها وطبيعتها الفاتنة

GMT 16:47 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

فريق الإمارات يكسب الذئاب والحبتور يعبر مهرة

GMT 17:20 2014 الإثنين ,21 إبريل / نيسان

science interview testing

GMT 15:07 2019 الجمعة ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ابتكار طبي يُساعد النساء في الاستغناء عن أقراص منع الحمل

GMT 11:42 2019 الجمعة ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الملكة رانيا تفاجئ الشعب الأردني برسالة "محبة وعتاب"

GMT 14:07 2019 الإثنين ,07 تشرين الأول / أكتوبر

الصين تنظم مهرجان ماكاو السينمائي الدولي ديسمبر المقبل

GMT 19:12 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

طرق طبيعية ونصائح تساعد في تخفيف تأثير الطقس على شعركِ

GMT 23:58 2013 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

الأرصاد: استمرار انخفاض الحرارة الاثنين

GMT 11:33 2014 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

طقس قطر معتدل الحرارة خلال النهار الخميس

GMT 04:05 2017 الثلاثاء ,27 حزيران / يونيو

الظفرة يتعاقد مع لاعب الجزيرة إلتون ألميدا رسميًا

GMT 12:16 2017 الأحد ,29 كانون الثاني / يناير

أهم وأبرز العادات السودانية المختلفة في أفراح العرس

GMT 22:09 2020 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

هند صبري تكشف أحب الأفلام لها والسر وراء ذلك

GMT 06:09 2020 الإثنين ,23 آذار/ مارس

تسريحات شعر بالجل للبنات

GMT 19:12 2020 الجمعة ,14 شباط / فبراير

طرح الإعلان الرسمي لفيلم "Fast & Furious 9"

GMT 03:58 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"الأرشيف وعلم المصريات" ندوة في المركز البريطاني الخميس
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates