السيادة الوطنية مبدأ تحت الحصار

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

 صوت الإمارات -

السيادة الوطنية مبدأ تحت الحصار

أمير طاهري
بقلم - أمير طاهري

لم تكن «السيادة الوطنية» سوى مصطلح يتردد صداه داخل قاعات محاضرات العلوم السياسية، إلى أن أعاده الرئيس دونالد ترمب إلى واجهة المشهد العالمي عبر سلسلة من التحركات المثيرة للجدل، شملت ملفات فنزويلا وإيران وغرينلاند، وغيرها من القضايا التي تصدرت العناوين العريضة.

أما اليوم، فقد بات هذا المفهوم حجر الزاوية في السجالات ذات الصلة بالقانون الدولي، ومستقبل النظام العالمي، والضرورة الملحّة لتحقيق السلم والاستقرار. ولا يقتصر الهجوم على مبدأ السيادة على سياسات ترمب فحسب، وإنما يمتد ليشمل تيارات داخلية في مجتمعات عدة، بما في ذلك بعض الديمقراطيات الغربية.

لكن، وقبل المضي في تحليل تلك التهديدات، حري بنا أن نستذكر الدلالة الجوهرية للسيادة؛ فهي تعني القوة أو السلطة التي تملك «الكلمة الفصل» في الشؤون الإنسانية كافة، بل وفي مصير الكون بأسره، وفقاً لبعض المعتقدات الدينية. ففي العالم القديم، وتحديداً في حضارات بلاد الرافدين الأولى، كان «الملك الكاهن» هو من يجسد هذه السيادة.

أما في «دول المدن» اليونانية القديمة، فقد طالبت النخبة المعروفة بـ«الديموس» بالسيادة، وهي فئة كانت تُميز بوضوح عن العبيد والأقليات العرقية والطبقات الدنيا أو ما كان يُعرف بـ«العامة». وفي أوج عظمة الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، كانت السيادة حكراً على الإمبراطور وحده. ومع حلول العصور الوسطى، انتقلت هذه الوظيفة السيادية إلى «البابا» في العالم المسيحي، وإلى «الخليفة» في بلاد الإسلام.

بيد أن حركة «الإصلاح الديني» وما صاحبها من تراجع لمكانة البابا، أغرقت العالم المسيحي في أتون حروب طائفية ممتدة، استمرت بشكل أو بآخر لأكثر من قرن من الزمان.

ولم تكن «دار الإسلام» بمنأى عن هذا المخاض، إذ تشرذمت هي الأخرى إلى سلطنات وإمارات وخانات، فضلاً عن مناطق حدودية قاحلة غاب عنها الحكم المنظم، حيث كانت السيادة فيها تؤول لمن يمتلك القوة والمال لفرض إرادته.

وفي القرن السابع عشر، اجتهدت نخب في العالم المسيحي لابتكار مفهوم «الدولة الوطنية»، وهو ما جرى تقنينه ضمن سلسلة من الاتفاقيات عُرفت بـ«صلح وستفاليا»؛ وبموجبها أصبحت السيادة ملكاً لمن يسيطر على إقليم جغرافي محدد يُعرف بـ«الأمة»، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو اللغة. وفي ظل هذه الأنظمة، كان الأفراد «رعايا» للنظام القائم وليسوا «مواطنين». وقد صوّر الفيلسوف «هوبز» السيادة على أنها «ليفياثان: وحش أسطوري جبار»؛ أي آلة أو كائن عظيم القدرة، يملك سلطة الحياة والموت على الجميع، لكنه في المقابل يمنحهم الأمان في مواجهة «قانون الغاب» القائم على البقاء للأقوى.

ومع اندلاع الثورتين الأميركية والفرنسية في القرن الثامن عشر، برز مفهوم «المواطنة» باعتباره اللبنة الأساسية للدولة الوطنية، حيث تُمارس السيادة من قِبل دولة مُنتخبة بالنيابة عن الأمة.

وعلى مدار القرنين الماضيين، وقع تبني هذا النموذج في كل دول العالم تقريباً، وإن كان ذلك بصور متفاوتة إلى حد بعيد. فحتى في الدول التي لا تشهد انتخابات، مثل الصين الشعبية أو كوريا الشمالية، يظل الافتراض القائم - أو الادعاء - بأن السيادة تعود للأمة مهما كان تعريفها غامضاً أو فضفاضاً. وقد جعل ميثاق الأمم المتحدة من هذا المبدأ، أو الادعاء، حجر الزاوية في القانون الدولي. وعلى هذا الأساس، تُعتبر الأمة ذات سيادة بصرف النظر عن موقعها الجغرافي، أو مساحتها، أو تعداد سكانها، أو دينها، أو هويتها، أو تاريخها، أو قوتها الاقتصادية أو بأسها العسكري؛ فهي المسؤولة وحدها عن تقرير مصيرها فوق إقليم جغرافي محدد وغير قابل للتجزئة. وهذا ما يفسر، على سبيل المثال، عدم قدرة الأمم المتحدة على قبول «أرض الصومال» (صوماليلاند) باعتبارها كياناً منفصلاً؛ إذ لا تزال تعتبرها جزءاً من الدولة الصومالية، رغم أن سلطة الأخيرة - عملياً ولأسباب موضوعية - لا تمتد إلى ما بعد العاصمة مقديشو.

والمبدأ ذاته هو ما يُستخدم للحيلولة دون انضمام «كوسوفو» إلى الأمم المتحدة، رغم أنها تمتلك كل مقومات الأمة الحقيقية بكل المقاييس.

وبطبيعة الحال، يمكن للأمة أن تتشارك جزءاً من سيادتها مع أمم أخرى، كما يفعل الكثيرون من خلال العضوية في الأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومنظمة الدول الأميركية، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، ومجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، والعشرات من المنظمات الأخرى.

وفي بعض الحالات الاستثنائية، تتشارك دولتان السيادة على إقليم واحد، كما هو الحال في ممارسة فرنسا وإسبانيا لسيادتهما المشتركة على إقليم «أندورا».

أما الآن، فإننا نشهد هجمات على السيادة الوطنية بصور وأشكال أخرى؛ ففي فرنسا، تمكن قاضيان من تغيير النتائج المفترضة للانتخابات الرئاسية لعام 2017، وذلك من خلال إدانة المرشح الأوفر حظاً عن تيار اليمين بتهمة خرق القانون، عبر توظيف زوجته على أنها مساعدة سياسية تتقاضى راتبها من البرلمان.

وتتكرر القضية ذاتها الآن ضد مرشحة أخرى مفترضة لتيار اليمين، وهي مارين لوبان؛ حيث تُواجِه اتهامات باستخدام أموال من الاتحاد الأوروبي لدفع رواتب نشطاء في حزبها «التجمع الوطني». والمثير للاهتمام هنا أن الدعوى رُفعت هذه المرة من قِبل الاتحاد الأوروبي ذاته، ومن بين التهم الأربع الموجهة إليها تهمة «العداء للاتحاد الأوروبي». وبعبارة أخرى، يُعاد تعريف ما هو «رأي سياسي» بوضوح ليصبح «جريمة جنائية»، وكأن الأمة الفرنسية - التي يُفترض أنها ذات سيادة ومسؤولة عن تقرير مصيرها - لا ينبغي أن يُسمح لها بتقرير من تمنحه أصواتها. والأنكى من ذلك، أن قرار حرمان السيدة لوبان من حق الترشح لأي منصب انتخابي لمدة خمس سنوات سيدخل حيز التنفيذ على الفور، حتى قبل صدور الحكم النهائي. وفي وقت سابق من العام الحالي، عصفت «ديكتاتورية القضاة» بضحية أخرى، ألا وهو الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي أودع السجن بناء على أربع تهم اعترفت المحكمة نفسها بعدم القدرة على إثباتها، لكنها أصرت على أن «نية» ارتكابها كانت قائمة.

مما يعني، بكلمات أخرى، أن مجرد «نية» ارتكاب جُرم بالاشتراك مع آخرين قد تُفضي بك إلى السجن، وتجعلك غير مؤهل للترشح حتى قبل النظر في الاستئناف النهائي. وفي بقاع أخرى من العالم، يتعرض مفهوم السيادة لهجمات من قِبل الزمر العسكرية، كما شهدنا مؤخراً في عدة بلدان أفريقية، وفي ميانمار.

أما في إيران، فإن هذا المفهوم تهتز أركانه على يد فئة من رجال الدين الذين يمتلكون سلطة تقرير من يُسمح له بالترشح، حتى في تلك الانتخابات التي تُهندسُ مجرياتها بدقة بالغة؛ فمن يُمنع اليوم من الترشح لمنصب ثانوي بسيط، ربما يجد نفسه مدفوعاً إلى منصب أكثر أهمية في الغد.

تُظهر كل الشواهد سالفة الذكر أن مفهوم السيادة الوطنية أو الشعبية مُهدد بالزوال، وبات يواجه خطر التحول إلى «هيكل أجوف»، وهو ما قد يهدد سيادة القانون ذاتها، تلك التي استغرق الجنس البشري أكثر من ألف عام ليعترف بها باعتبارها ترياقاً لقانون الغاب، بنسخته الحديثة القائمة على أن «القوة هي الحق».

إن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يهتز بوضوح، سواء داخل العديد من الدول أو على الصعيد الدولي؛ وتعد الحرب الأوكرانية التي تبدو بلا نهاية مثالاً صارخاً على محاولة محو سيادة أمة بقوة السلاح.

إن إعادة تعريف السيادة الوطنية لن تكون كافية وحدها؛ وإنما نحن بحاجة أيضاً إلى وضوح تام بشأن عواقب انتهاكها، سواء كان ذلك من قِبل فئات داخل المجتمع أو بواسطة قوى خارجية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السيادة الوطنية مبدأ تحت الحصار السيادة الوطنية مبدأ تحت الحصار



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates