اصطياد الأدمغة لا يكفي

اصطياد الأدمغة لا يكفي!

اصطياد الأدمغة لا يكفي!

 صوت الإمارات -

اصطياد الأدمغة لا يكفي

بقلم - سوسن الأبطح

 

وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نداءً إلى العلماء المهددين في أميركا، قائلاً إن أوروبا كلها باتت ملجأ لهم، مستلهماً نموذج ماري كوري، البولندية التي بنت مجدها في المختبرات الفرنسية. وأصبحت أول امرأة تنال «نوبل».

500 مليون يورو خصصها الاتحاد الأوروبي لهذه الغاية، ومائة مليون من فرنسا، وتسنّ دول أخرى أسنانها على رأسها كندا وبريطانيا، لتخطف العقول الهاربة من الجامعات الأميركية، باعتبارها فرصة لن تتكرر.

وهي أدمغة في غالبيتها ليست بأميركية، بل زبدة البحاثة الذين حتى الأمس القريب كانت أميركا حلمهم، والوصول إليها غاية مطامحهم.

المثير، أن الدول التي تطلق نداءات، وتنظّر لقيمة العلم، لم تكن بالحماسة نفسها قبل أشهر، وعرف عنها أنها بيئات طاردة للبحث العلمي، بسبب فقر مختبراتها.

أيقظت المعضلات الأميركية الدراماتيكية شهوة مستجدة للمعرفة. مع أن الجامعات الفرنسية تعاني نقص الميزانيات، وانخفاض عدد الأساتذة نسبة للطلاب، وشح في تمويل الأبحاث، وتململ وهجرة.

التنافس في الخير فضيلة. ألمانيا خصصت أكثر من 15 مليون يورو في برنامجين مختلفين، لإنجاز عقود مع الباحثين الجدد. كندا أخرجت من الأدراج مشروعاً يسمح بالحصول على تصاريح عمل خلال أسبوعين، للمتخصصين في مجال الهندسة والرياضيات والتكنولوجيا. سنغافورة تقدم منحاً بحثيةً في الذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع كوريا الجنوبية ونيوزيلندا. بريطانيا مبادراتها الإغوائية سخية، وصلت إلى 50 مليون جنيه، لاستقطاب أصحاب الاختصاص في الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء. وإسرائيل تعض أصابع الندامة لأنها في وضع لا يسمح لها بإطلاق أكثر من 3 ملايين دولار، غير كافية، لتعوض أولئك الذين هجروها منذ أخذت الديكتاتورية المتطرفة تتوطن، بفضل إصلاحات نتنياهو القضائية.

هجرة العقول تعود إلى 2010 وبدء التوتر بين الصين وأميركا واندلاع ازمة شركة «هواوي». شعر العلماء من أصول صينية، أن المناخات لم تعد مواتية. غادر سنوياً بين ألف وألفي عالم عائدين إلى بلادهم. استغلت الصين الفرصة عام 2018 وأطلقت مبادرة لاسترجاعهم، فتسارعت الهجرة، ومن تبقى منهم يقولون إنهم يفكرون جدياً في المغادرة.

أجرت مجلة «نيتشر» دراسة أثارت صدمة. 75 في المائة من العلماء المستطلعين يفكرون في ترك الولايات المتحدة. غالبيتهم من الذين يبدأون حياتهم المهنية أو على مشارف الحصول على دكتوراه، ومفضلاتهم، كندا وألمانيا وأستراليا.

القمع الذي تعرض له الطلاب كان سبباً، ثم تسريح أساتذة لمواقف أو حتى لعدم اتخاذ موقف. منهم من فقدوا وظائفهم بسبب خفض المساعدات الحكومية، ومن تململ لتهاوي سقف الحرية. ثمة كتب أصبحت ممنوعة، مفردات محظورة، صور تحذف، حقائق علمية يشكك بها. لم يعد غريباً الحديث عن أن الأرض مسطحة، وأن أزمة المناخ بدعة.

لكن ما هدد بسحبه الرئيس الأميركي دونالد ترمب من «جامعة كولومبيا» وحدها 400 مليون دولار، وما جمد لـ«جامعة هارفرد»، فخر الجامعات العالمية، مليارات الدولارات. مبالغ تفوق كل ما خصصته الدول الراغبة في جذب العلماء الهاربين مجتمعة.

تذهب الذاكرة إلى العلماء الذين هربوا من القمع من أوروبا إلى أميركا، خلال الحرب الثانية. هؤلاء بنوا أميركا، ساهم بعضهم في صناعة القنبلة الذرية، وتطوير الصناعات، والنهضة التكنولوجية. تذكر اليوم هجرة آينشتاين بكثير من الحسرة. حينها فقدت ألمانيا ربع فيزيائييها، 11 منهم حاز «نوبل» قبل أو بعد ذلك.

دروس التاريخ ملغومة. ترمب يجد حلول التدهور الاقتصادي والصناعي الحاليين بالعودة إلى نموذج الرئيس هربرت هوفر الذي فرض ضرائب جمركية لحل الكساد الكبير عام 1930، فوقع في المحظور. الأوروبيون يعتقدون أنه يكفي أن يخصصوا بضعة ملايين، ليسترجعوا «عصر الأنوار»، ويكتب لهم الفتح العظيم الذي نالته أميركا على يد مهاجريهم الأفذاذ قبل مائة عام.

ما يخسره العالم بتشظي مراكز البحث الأميركية، أكبر مما يتم تصويره. ثمة انهيارات عمودية في مراكز جمعت زبدة طلاب الكوكب، وفرت لهم الثروات، وأمنت لهم التثاقف، وحرية البحث، مع تثمير النتائج بوضعها على تماس مع من يستطيع تنفيذها، والترويج لها.

منظومة علمية خلاّقة متكاملة، من تهجين الفكرة وتوليدها وصولاً إلى تحويلها منتجاً، وتسويقها حول العالم، وهو ما يستحيل تعويضه. دافيد جايز، باحث فرنسي، يعتقد أن كل ما يثار حول الفائدة الأوروبية المرتجاة، من هذا الانهيار الكبير، يحجب غابة من الابتكارات العلمية التي تنمو في الصين بسرعة مذهلة. يذكّر أن دراسة أسترالية حديثة بينت أن 37 من أصل 44 مجالاً تكنولوجياً دقيقاً، تقدمت فيه الصين على اميركا، وأوروبا ليست على الخريطة.

المسافة شاسعة بين القمة المرتفعة التي يقف عليها كل من القطبين أميركا والصين، وما وصلت إليه كل الدول الأخرى. القادم مثير للغاية، وما نعاينه يبقى سوريالياً. الجميع تحت هول الصدمة، وعلى رأسهم أهل العلم والمعرفة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اصطياد الأدمغة لا يكفي اصطياد الأدمغة لا يكفي



GMT 17:00 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

إميل حبيبي

GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

شطرنجيات بقائي

GMT 16:58 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

GMT 16:56 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

سياسات نفطية

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الرياض وباريس... قرنٌ من الشراكة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

واشنطن و«حزب الله»... ملاحقة كاشفة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

بين لبنان النموذجي و«المناطق النموذجية»

ليلى زاهر تستقبل طفلتها الأولى وتلهم الحوامل بإطلالات راقية

دبي - صوت الإمارات
شاركت النجمة المصرية الشابة ليلى أحمد زاهر متابعيها خبر استقبال مولودتها الأولى "إيلا" من زوجها المنتج هشام جمال، لنستعرض أبرز إطلالاتها الملهمة خلال مرحلة الحمل، والتي اتسمت بالرقي ومواكبة الموضة بأسلوب ناعم يبرز أنوثتها ووقارها. تألقت ليلى في ظهور إعلامي برفقة زوجها بفستان انسيابي بقصة "درابيه" واسعة من توقيع دار "لويس فويتون"، تميز بكسرات خفقت ملامح قوامها وطبعات ورود باهتة بلون السيمون، ونسقت معه حقيبة مطابقة وتسريحة ذيل حصان عالٍ. وفي أول إعلان رسمي عن حملها تحت الأضواء خلال مشاركتها في مهرجان كان السينمائي، استعرضت حملها بفستان سهرة أبيض محدد القوام من تصميم رامي قاضي، جاء بأكمام طويلة وأطراف مزينة بطبقات الريش المتدرجة مع ذيل خلفي طويل. وحافظت النجمة الشابة على أسلوبها الناعم في مناسبات السهرة باخ...المزيد

GMT 01:44 2020 الأربعاء ,15 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الدرهم الاماراتى مقابل الريال سعودي الثلاثاء

GMT 09:20 2019 الخميس ,31 تشرين الأول / أكتوبر

راشد النعيمي يعزي في وفاة خميس السويدي

GMT 10:25 2021 الثلاثاء ,07 أيلول / سبتمبر

أبراج تدعمك وتقف بجانبك في المواقف الصعبة

GMT 20:19 2019 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

موانئ دبي العالمية تطلق شركة جديدة للخدمات اللوجستية

GMT 11:27 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

تفاصيل شخصية مي عمر في مسلسل "الفتوة" مع ياسر جلال

GMT 13:41 2019 الخميس ,26 أيلول / سبتمبر

شرطة دبي توقف الخدمات الحضورية في 7 مراكز

GMT 19:51 2019 الأربعاء ,17 تموز / يوليو

سيمون تفاجئ متابعيها على إنستجرام

GMT 15:18 2019 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

إطلالة حمراء لإملي راتاجكوفسكي في لوس أنجلوس

GMT 19:51 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

اختراق مراسلات مسؤولين أوروبيين عن ترامب وروسيا وإيران
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates