عندما تدخل السياسة الدولية بيتك

عندما تدخل السياسة الدولية بيتك

عندما تدخل السياسة الدولية بيتك

 صوت الإمارات -

عندما تدخل السياسة الدولية بيتك

بقلم: مأمون فندي

وأنا أقرأ أوراقَ ابنتي للتقدم إلى الجامعة، خفت أن تمتدَّ يدي، بحكم المحبة، إلى محو شيءٍ منها. أردت أن أفتحَ لها باب المستقبل، فإذا بي أتساءل عمَّا ينبغي أن تتركه من نفسها عند العتبة كي يُفتح الباب. ولعلَّ أشد ما يخيف الأب أن يكتشف أنَّ حرصه قد يصبح قلمَ الرقيب، وأن يأتي أول درس في الصمت بصوته هو.

في رسالته إلى ابن أخيه، كتب جيمس بالدوين: «لا سبب يدعوك إلى محاولة التشبّه بالبيض، ولا أساس لافتراضهم المتعجرفِ أنَّ عليهم قبولك». كان يحمي شاباً يحبه من أحكام عالم يريد تعريفه من الخارج. وأمام أوراق ابنتي، سألت نفسي: هل أساعدها على العثور على صوتها، أم أهيئه لما أتخيل أن الآخرين يريدون سماعه؟

ابنتي، نعمة، في السابعة عشرة، تريد دراسة العلوم السياسية وفهم الشرق الأوسط، المنطقة التي تعرف لغتَها وتتحدر منها أسرتها. وحين سألت زملاء من أساتذة السياسة في جامعات تفكر في التقدم إليها، بينها أكسفورد وهارفارد وكولومبيا وجورجتاون، تكرَّرت نصيحة أقلقتني: الأفضل ألا تذكر القضية الفلسطينية أو تعلن موقفاً منها في مقال التقديم الذي تعرّف فيه بنفسها وطموحاتها، وهو جزءٌ من إجراءات القبول يختلف عما اعتدناه في بلادنا.

لا أملك دليلاً على أن سياسة كهذه تتبعها الجامعات المذكورة، لكن انسحاب المؤرخ رشيد خالدي، بعد تقاعده، من تدريس مقرر في كولومبيا احتجاجاً على اتفاقها مع إدارة ترمب والقيود على التعبير، جعل نصيحة أصدقائي تبدو تحذيراً يستحق التأمل. وصلت إلى مائدة بيتنا، وأخذت مكانَها بيني وبين كلمات ابنتي. صرت أقرأ بعينين: عين أب يسعد باستقلال رأيها، وعين تخشى أن تدفع ثمنه. وبين العينين فهمت كيف يدخل الخوف إلى المحبة، وكيف نعلّم أبناءنا التنازل ونحن نظنّ أننا نعلّمهم العبور.

كنت أقول لها دائماً: تكبدت صعابَ الحياة في الغرب لتكون لي ابنة حرة، لا يحجر أحدٌ على رأيها. وكنت فخوراً بذلك. والآن أجدني أدعوها إلى ترك رأيها عند باب الجامعة، وأقول لها إنَّها تستطيع استعادة صوتها بعد الدخول. لكن إذا بدأ التَّخلي عند الجامعة، فماذا نترك عند باب الوظيفة أو الحب أو المكانة؟ وكم باباً نعبر قبل أن نكتشف أن الطريق احتفظ بأجزاء منا أكثر مما حملنا إلى نهايته؟

عندما كنت صغيراً، كنت أتصور أن الموت يأخذ قطعاً من أجسادنا: كلما مات حبيبٌ أو قريب، فقدنا ذراعاً أو قدماً، حتى ننتهي بعد رحيل أحبائنا. واليوم أفكر في حرية الفكر بالطريقة نفسها: كم يتبقَّى من ابنتي إذا تخلَّت عن حريتها قطعة قطعة، من أجل جامعة، ثم وظيفة، ثم زوج؟

أعادتني الحيرة إلى صوت أمّي قبل سفري إلى أميركا. قالت: لا تكن كالغراب الذي أعجبته مشية الحمامة فحاول تقليدها. ظلَّ يتدرب حتى نسي مشيته الأصلية ولم يتعلم مشيتها، ومن يومها يمشي كالأعرج. سافرت، وبقي غراب أمي يمشي معي. وكلما أغراني التقليد، تذكرت الطائر الذي خسر خطوته وهو يتطلع إلى خطوة سواه.

لم تمنعني الحكاية من التعلم والتغير، لكنَّها أبقت سؤالاً: هل أتسع لما أتعلمه، أم أضيق بنفسي؟ رويتها لابنتي، فضحكت، وهي لم ترَ جدتها. وخشيت أن أكون، بحسن نية، أدرّبها على مشية لا تخصّها، بعد أن ورثت حكاية تحذرني منها.

يبدأ الأمر بنصيحة مؤقتة: تجاوزي الموضوع حتى تُقبلي. ثم تأتي التوصيات والوظيفة والترقية، ولكل محطة أسباب معقولة لتأجيل الكلام. وقد يبلغ الإنسان المكان الذي أراده، وقد نسي ما أراد قوله عند بداية الرحلة.

لم تكن فلسطين خبراً بعيداً نناقشه. صارت سؤالاً عمَّن يحقّ له الكلام، وبأي ثمن. هل أقبل الحرية التي دعوت إليها حين تصبح لها تكلفة؟ وهل أثق بتربيتها على التفكير إذا انتهى تفكيرها إلى موقف أخاف عواقبه؟ أدركت أنني لا أستطيع أن أعدها بعالم منصف، لكن بوسعي ألا أجعل البيت أول مؤسسة تطلب منها إخفاء نفسها، وألا أقدم خوفي إليها في هيئة حكمة لا تقبل النقاش أو المراجعة.

وقد يمتد التفاوض إلى الملامح. أرى إقبال الشباب على عمليات التجميل، ولا أتحدث عن رغبة أبدتها ابنتي، ولا أحاكم اختياراً شخصياً. ما يقلقني ضغط يجعل ملامح الأصل عبئاً، ويَعِد الإنسان بقبول أسهل إذا صار أقل شبهاً بالمكان الذي جاء منه.

ويمتد إلى رفيق الحياة: هل نختار من نحب، أم من نظنّ أن اختياره يثبت اندماجنا، أو يرضي أسرنا، أو يمنحنا مكانة؟ أخشى أن يصبح إرضاء الآخرين تدريباً يبدأ أمام قارئ مجهول لطلب الجامعة، ثم يستقر في أكثر قراراتنا خصوصية.

وأعرف أن للأب نصيباً من الخطر. فقد أطالب ابنتي بالاحتفاظ بما أسميه هويتَها، فأجعل حريتَها أسيرة تعريفي. ليس مطلوباً منها أن تحمل آرائي وحنيني وبلادي على كتفيها. من حقّها أن تتغير، وأن تصنع حياة تفاجئني. وحتى حكاية أمي لا تمنحني حق اختيار مشيتها؛ إنّها تذكرني بأن أترك لها فرصة العثور عليها.

هكذا تدخل السياسة الدولية بيتك: في كلمة تقترح تخفيفها، وفقرة تخشى عاقبتها، ونصيحة حانية تحمل خوفاً أكبر مما تعترف به. لذلك أراجع خوفي قبل أن أجعله وصية. تركت لي أمي حكاية تساعدني على تمييز خطوتي؛ وأتمنَّى أن أترك لابنتي محبة تطمئنها وهي تكتشف خطوتها، دون استعارة مشية أحد، حتى أبيها. وأدعو ربي أن يهديَها سواء السبيل، وكذلك أبناءكم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما تدخل السياسة الدولية بيتك عندما تدخل السياسة الدولية بيتك



GMT 19:21 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 19:20 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 19:19 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 19:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

رؤية للحاضر مِن الزمن الغابر

GMT 19:17 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 19:16 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تحديات العنجهية الإيرانية لبنانياً

GMT 19:15 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 19:13 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 23:23 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

طريقة تحضير كيك القهوة بطبقات كريمية غنية

GMT 03:33 2020 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

تعرف علي أفضل طرق تعقيم الكنب

GMT 11:28 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

غادة عادل تبدأ تصوير مشاهدها في فيلم "العفريت"

GMT 00:07 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هيفاء وهبي أصبحت مادة إعلامية خصبة بعد أزمة "ثانية واحدة"

GMT 04:26 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:19 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

"بيتكوين" تسجل أكبر انخفاض شهري لها خلال 7 سنوات

GMT 08:22 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

بريدراج مياتوفيتش يُؤكّد أنّ إيسكو تحوَّل إلى لا شيء

GMT 02:26 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

عسكر يستقبل شويطر وشرفي ويؤكد اهتمام الأولمبية البحرينية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates