بقلم:خالد منتصر
قبل أن يقتلوا الإنسان، هناك خطوة قبل شحذ السكين، يغيرون اسم الضحية، يعلمهم أميرهم، لا تسمِّ الضحية إنساناً، سمّه حيواناً، صرصاراً، نجساً، كافراً، سرطاناً يجب استئصاله..الخ،
عندما تنجح فى تغيير الاسم، وشيطنة الشخص، تكون قد قطعت نصف الطريق إلى القتل بكل راحة ضمير، لأن الكلمات ليست مجرد أصوات نصف بها الأشياء، بل هى نظارات نرى من خلالها البشر، فى حقيبة محمد عطا، قائد إحدى مجموعات ١١ سبتمبر، التى لم تلحق بطائرته فى مطار بوسطن، عثر المحققون على وثيقة اشتهرت باسم «الليلة الأخيرة»، كما عُثر على نسخ منها مرتبطة بخاطفين آخرين، نسبتها الأغلبية لمحمد عطا، الوثيقة مذهلة فى قدرتها على جمع النقيضين: الوضوء والعطر والصلاة من ناحية، والسكاكين والاستعداد للقتل من ناحية أخرى. وفى البند الخاص بالسلاح تأتى العبارة الصادمة: «اجعل سكينك حادة، ولا تؤلم حيوانك أثناء الذبح»،
هكذا الترجمة، توقفت عند كلمة «حيوانك»، لم يعد هناك مضيف طيران له أم تنتظره، ولا مسافرة أم لها طفل ستعود إليه، اختزلت المسألة فى حيوان يستحق الذبح!، إنها ليست زلة لسان عابرة، بل هى بوابة نفسية اسمها فى علم النفس الاجتماعى: Dehumanization، نزع الإنسانية، فالإنسان الطبيعى لديه فرامل أخلاقية تمنعه من إيذاء إنسان آخر، يرى دموعه، يسمع صراخه، يتخيل ألمه، فيتأثر ويتعاطف، ولكى تستطيع الأيديولوجيا تحويل هذا الإنسان إلى قاتل، عليها أولاً تعطيل تلك الفرامل، لكن السؤال، كيف؟، بإقناعه بأن الضحية ليست مثله، بل هى فى درجة أدنى، عالم النفس ألبرت باندورا وضع هذا ضمن نظريته الشهيرة عن Moral Disengagement، فك الارتباط الأخلاقى، نحن لا نتخلص بالضرورة من أخلاقنا لكى نرتكب الشر، نستطيع بدلاً من ذلك أن نعيد وصف الشر بطريقة تسمح لنا بالاحتفاظ بصورة أخلاقية عن أنفسنا، يصبح القتل «واجباً»، والعدوان «دفاعاً»، والضحية مسؤولة عما حدث لها، ثم تأتى الخطوة الأخطر، تجريدها من صفاتها الإنسانية، لم يخترع إرهابيو سبتمبر هذه الحيلة، قبل غرف الغاز بسنوات، مهدت الدعاية النازية لاستباحة قتل اليهود، لم تقل مباشرة، اقتل جارك اليهودى، لكنها بدأت بإعادة تعريف اليهودى نفسه، أصبح فى الدعاية «طفيلياً»، و«مرضاً»، و«حشرة ضارة»، وربطته الدعاية النازية بالأوبئة والقذارة، كما حدث فى الفيلم الدعائى النازى الشهير Der ewige Jude، «اليهودى الأبدى»، وبعد نصف قرن تقريباً، كررت رواندا التجربة نفسها بمفردات أخرى، قبل وأثناء الإبادة الجماعية ضد التوتسى سنة ١٩٩٤، استخدمت إذاعة RTLM المتطرفة خطاباً يصور التوتسى كأعداء، ووُصفوا بـ«الصراصير»، وكذلك بالثعابين والحيوانات، إذن إذا أردت القتل بارتياح، فغير الاسم أولاً، جارك الذى كنت تشترى منه الخبز بالأمس ليس جاراً اليوم، إنه مجرد صرصار، والصرصار لا يحاور، بل يسحق!!، هكذا بدايات الإرهاب الجنينية، وهنا يكمن الجانب الشرير فى التلاعب باللغة، فالقاتل لا يستطيع دائماً النوم إذا قال لنفسه: «لقد قتلت أباً لطفلين»، لكنه يستطيع أن ينام بسهولة أكبر إذا أقنع نفسه: «لقد تخلصت من عدو كافر مرتد»، والأكثر خطورة أن يقنع نفسه بأنه لم يرتكب جريمة أصلاً، وإنما أدى رسالة أخلاقية أو دينية، ولهذا لا يكفى تفسير الإرهاب بأنه كراهية، المسألة أكثر تعقيداً، التنظيم المتطرف يبنى لأعضائه قاموساً جديداً، نحن وهم، مؤمن وكافر، طاهر ونجس، شهيد وعدو..الخ، وبعد فترة لا يعود عضو التنظيم يرى بشراً، وإنما يرى تصنيفات.
عندما تسمع شخصاً يختلف مع مجموعة بشرية ثم يتوقف عن تسميتهم بشراً، انتبه، عندما يصبح المختلف «حشرة» أو «خنزيراً»، أو كافراً مهرطقاً، فالمشكلة لم تعد مجرد قلة ذوق فى اختيار الألفاظ، لقد بدأ تغيير القاموس الأخلاقى، والتاريخ يخبرنا بأن السكين يصبح أخف فى اليد عندما تنجح الكلمة أولاً فى محو ملامح وهوية الضحية. فى حقيبة عطا كانت هناك سكاكين وتعليمات، لكن أخطر ما كان فى الحقيبة لم يكن السكين، كان الاسم الجديد للإنسان الذى ستذبحه السكين.