فى يونيو ٢٠١٥، كتبتُ مقالًا عنوانه «وسيم السيسى.. سُرَّ مَن رآك»، احتفاءً بكتابه الجميل «مصرُ التى لا تعرفونها». فى ذلك المقال اختلطت علىّ الرؤى والضمائرُ والصور؛ فكنتُ أتحدث عن مصرَ وأنا أقصد «وسيم السيسى»، وأتكلم عنه وأنا أقصد مصر. فبعض الشخصيات، من فرائد البشر، يغدون مع الوقت صورة من صور الوطن.
يقولُ الحلاجُ فى واحدة من أعظم قصائده: «فإذا أبصرتنى أبصرته/ وإذا أبصرته أبصرتنا»، وأقولُها عن هذا الرجل بتصرّف: «إذا أبصرتَه أبصرتها، وإذا أبصرتها أبصرته»، وضميرُ الغائب المؤنث، بالقطع، يعودُ على مصر.
لهذا، حين علمتُ من شقيقته الجميلة أن الدكتور فى المستشفى، خفق قلبى، وشعرتُ أن شيئًا فى صورة مصر قد ارتجف. فهو واحد من أولئك الذين أصبحوا جزءًا من المعنى الذى نفهم به العالم، ونفهم به أنفسنا، ونفهم به مصر.
ركضتُ إلى المستشفى، ورغم خروجه للتوّ من عملية جراحية دقيقة إثر حادث سير، بسبب تعجّله فى الوفاء بمهامه الجسام بين عمله الطبى وعملياته الجراحية ومحاضراته وأسفاره، ورغم الأنابيب التى تكبّل معصميه، لكنه حين فتح عينيه وابتسم، أشرق وجهُ مصر من جديد، وتأكد عنوان المقال: «سُرَّ من رآك» أيها الأستاذ العظيم.
سلامتك أيها الطبيب الذى لم يكتفِ بمداواة أجسادنا، بل ظلّ سنواتٍ وعقودًا يحاولُ مداواة جهلنا بأنفسنا وبعراقة تاريخنا. لم يحمل مشرطه وحسب؛ بل حمل معه قلمًا، وذاكرة، وشغفًا نادرًا بمصر. ثم راح ينقّب فى طبقات الزمن كما ينقّب الجراحُ فى جسد مريض، باحثًا عن موضع العلة، وعن موضع النبض والحياة.
عرفتُ مصرَ معه بطريقة أخرى. قبله، كنت أحبُّ مصرَ كما يحب المرء بيتَه وكما يحبُّ الطفلُ أمَّه: حبًا فطريًا غريزيًّا، لا يحتاج إلى برهان أو سبب. لكن «وسيم السيسى» علّمنى أن الحب دون دليل ليس يكفى. مَن يحب وطنه عليه أن يعرفه. أن ينزل إلى طبقاته السحيقة، إلى لغته الأولى، إلى أساطيره، إلى علومه وأسراره، إلى فنونه، إلى أطبائه ومهندسيه وفلاسفته وحكمائه، إلى تلك الحضارة التى لم تكن أبدًا حجارةً صمّاءَ صامتةً كما أراد بعض الجهلاء أن يقنعونا، بل كانت حضارتنا عقلًا هائلًا ظلّ يتحدث إلينا عبر آلاف السنين، ومازال.
يعرف الدكتور «وسيم» كيف يأخذنا إلى مصرَ القديمة، فلا نعود منها كما ذهبنا. تلك موهبته. بوسعه أن يجعل درسًا فى الـEgyptology يبدو كحكاية حب. بارعٌ فى أن يستخرج من نقشٍ قديم سؤالًا معاصرًا، ومن مومياءَ درسًا فى الطب، ومن هندسة معبدٍ فكرةً عن الإنسان، ومن كلمة مصرية قديمة نافذةً نرى منها العالم. هذا الرجل الفريد لا يلقّننا التاريخ، بل يعيد إلينا ذاكرتنا الممحوة، يجلو عنها غبار الغفلة، فيشرقُ وجهها من تحت الركام.
لم يتعامل «وسيم السيسى» مع مصر بوصفها موضوعًا للبحث، بل بوصفها حسناءَ يعشقُها. وثمة مسافة هائلة بين الباحث والعاشق. الباحثُ يضع الحقيقة على طاولة التشريح. أما العاشق، فيضع يده على قلبها. ولذلك كان حديثه عن مصر مُعديًا. نخرج من مجلسه ونحن أكثر اعتزازًا بأننا مصريون، لا لأننا سمعنا مديحًا فى الوطن، بل لأننا اكتشفنا أسبابًا حقيقية للفخر. وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية لتثقيف مَن يخلطون بين الوطنية والتصفيق. ذاك أن الوطنية الحقّة معرفةٌ ومسؤولية، وعىُ ودراسة وتفتيش عن مكامن الجمال، واستنطاقها من مخابئها. هذا الرجل أعطانا مصرَ التى تحت الجلد، لا مصر التى على البطاقات. وأعطانا فوق ذلك درسًا آخر، أكثر إنسانية: أن المعرفة لا تُكتسب لكى نتعالى بها على الآخرين، بل لكى نضىء الطريق.
أراه دائمًا رجلًا يعرف كيف يتحدث عن أعقد الأشياء بلغةٍ تصل إلى القلب، يضفرُ الشعرَ بالتاريخ بالعلم فى جديلة ساحرة تتماوج على ظهر مصر. ففى شخصه يجتمعُ الطبيبُ والمفكرُ وعالم المصريات والفيلسوفُ والأديب، كأنما هو أحد رجالات الإغريق الموسوعيين، فتتسلّلُ إليك المعارفُ برفق دون أن تشعر بثقلها. لأن العلم عنده هيئةٌ من هيئات المحبة.
ولذلك، حين أكتب اليوم: «سلامتك»، فأنا أقولها نيابة عن كل من جعلتهم يحبّون مصر أكثر، فذهبوا يبحثون عن صفحة تاريخٍ ظنّوا مواتَها، فإذا بها تنبض تحت أصابعهم. أقولها عن كتب أضفتها إلى مكتبتنا، وأسئلة غرستها فى عقولنا، ودهشة أعادتنا إلى مصرنا.
دكتور «وسيم»، نحن لا نملك ردَّ عطاياك. لكن بوسعنا أن نقول إن أثرك لم يدخل المستشفى معك. أثرُك طليقٌ. فى كتابٍ نقرأه، وفى حكايةٍ نرويها عن أجداد كانوا أصحاب عقلٍ وعلمٍ وجمال.
مقام السؤال:
من العسير أن أكتب سؤالاً فى حضرة رجلٍ غرس فى عقولنا بذرةَ السؤال. لهذا سأكتفى بأن أقول لك: استرحْ قليلًا أيها العاشق، وعُد سريعًا، لتُكمل لنا الحكاية.