يكرهون منبه اليقظة ويعشقون مخدر الغفلة

يكرهون منبه اليقظة ويعشقون مخدر الغفلة

يكرهون منبه اليقظة ويعشقون مخدر الغفلة

 صوت الإمارات -

يكرهون منبه اليقظة ويعشقون مخدر الغفلة

بقلم:خالد منتصر

يقاس تاريخ تقدم المجتمعات بمدى تصالحها مع مفكريها الذين يحاولون تنبيهها، حسم الصراع بين سماسرة الأكاذيب المريحة، ومخدرات الوهم والغفلة، وبين أصحاب منبهات اليقظة ومنشطات الفكر النقدى، هذا الحسم هو مفتاح الحداثة، الحسم لصالح المنبه الذى يوقظنا، على حساب المخدر الذى يسكرنا، نحن نكره المنبه الذى يوقظنا من نومنا وخدرنا اللذيذ، ونقع فى غرام السمسار المثقف الديلر الذى يبيع لنا الأوهام فى باطنية الخرافات والهلاوس والضلالات، التى نظل نعيش فى مستنقعاتها، بل ندافع عنها بشراسة تصل إلى حد الاستشهاد فى سبيلها، دراسة تاريخ اضطهاد المجتمعات لمفكريها، تاريخ طويل،

للأسف لا يحسم ولا تظهر أهميته ولا قيمة ووزن هذا المفكر أو العالم إلا بعد رحيله، وربما تبقى العبارة الأشهر التى تلخص مصير هؤلاء المضطهدين المنبوذين، هى ما قاله الفيلسوف آرثر شوبنهاور: «كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: أولاً تُسخر منها، ثم تُقاوم بعنف، ثم تُعتبر بديهية»، أما كافكا فقد كان متشائماً وغير مستبشر بمصير حملة مشاعل الأسئلة المؤرقة، فقد راهن على أن العالم، العامة، الشارع، الغوغاء سينتصرون، عندما قال: «فى الصراع بينك وبين العالم، راهن على العالم»، كان المهندس صلاح دياب فى حديث تليفونى منذ أسبوع، يحدثنى عن سبينوزا، بعد نهاية المكالمة، فكرت لماذا فضل سبينوزا الدفاع عن أفكاره الصادمة فى مجتمعه الضيق فى أمستردام؟، لو كان قد تماشى، واندمج، وباع لهم الوهم، لأصبح ثرياً، مرفوعاً على الأعناق، فى حياته، لكن صاحب القضية دائماً هو المنبوذ والخصم والمكروه، كلما أيقظهم أكثر، كلما كانوا عدوانيين تجاهه أكثر، لكن من هو هذا المتمرد،

الذى طرح أفكاره المحلقة خارج السرب وهو مازال فى الثالثة والعشرين من عمره؟، ولنبدأ بسماع أسئلته المؤرقة، مثل هل النصوص الدينية كتبها البشر أم نزلت حرفياً من السماء؟، هل المعجزات خرق لقوانين الطبيعة أم أننا فقط لا نفهم الطبيعة جيداً؟، هل الله شخص يغضب ويرضى ويعاقب كما يتصور الناس؟، هل يمكن دراسة الكتب المقدسة بالنقد العقلى والتاريخى؟، كانت هذه الأسئلة صادمة فى القرن السابع عشر، تلك الأسئلة التى نرى البعض الآن يطرحها على الفيسبوك، بعد مئات السنوات، بدون أن يعرف من دفع الثمن فى سبيل طرحها، بسبب تلك الأسئلة، وفى عام ١٦٥٦ صدر بحقه حكم «الحرمان» أو الطرد الكامل من الجماعة اليهودية، التى كان ينتمى إليها، وهى الجماعة شديدة التحفظ والتمسك بنصوصها وتفسيراتها، والتى تعتبرها حصن حماية من تغول الأغلبية، كان نص الحكم شديد القسوة، إذ لعنوه وحرموا أى شخص من التحدث إليه أو قراءة كتبه أو التعامل معه، هذا الشاب الغض، ابن العشرينيات، مهجور، منبوذ، حرفياً فى الشارع، بلا سند، أو مأوى، المدهش أن سبينوزا لم يتراجع،

ترك العائلة وتجارة العائلة، وعاش حياة متواضعة يصنع العدسات البصرية لكسب رزقه، بينما يكتب أهم أعماله الفلسفية، يكتب تصوره الخاص عن الله، الذى لا يحتكره رجال الدين، ولا يسكن معابدهم، بل يسكن قلبه، ويطبطب على روحه، كان رجال الدين المحترفون المتكسبون السماسرة، يرون الله كائناً منفصلاً عن الكون يديره من الخارج، رأى سبينوزا أن الله والطبيعة شىء واحد، صدمتهم عبارته الشهيرة كانت: «الله أو الطبيعة» (Deus sive Natura)، لم يكن يقصد أن الأشجار أو الصخور هى الله بالمعنى البسيط، بل إن الكون كله وقوانينه هو التعبير عن الجوهر الإلهى، وكانت فلسفته هى أنه لا يوجد إله يتدخل كل لحظة ليعطل قوانين الطبيعة أو يغيرها بمعجزة، بل إن قوانين الطبيعة نفسها هى تجلّى النظام الإلهى، لهذا اتهمه خصومه بالإلحاد،

لكن المفارقة أن سبينوزا لم يكن يعتبر نفسه ملحداً على الإطلاق، كان يرى أنه يتحدث عن الله بصورة أسمى وأعمق من الصورة البشرية التقليدية التى تجعل الإله أشبه بملك أو حاكم يغضب ويرضى ويغير رأيه، بعد وفاته بسنوات طويلة تغيّر الحكم عليه تماماً، وتبدل الرأى، وأصبح يُعد أحد مؤسسى النقد الحديث للكتب المقدسة، وأحد أهم فلاسفة العقل والحرية. حتى ألبرت أينشتاين عندما سُئل: «هل تؤمن بالله؟»، أجاب بأنه يؤمن بـ«إله سبينوزا»، أى ذلك الإله الذى يتجلى فى انسجام الكون وقوانينه، لا فى المعجزات والعقوبات والمكافآت، ولهذا يمكن تلخيص جريمة سبينوزا فى نظر معاصريه، بأنه حاول استبدال الخوف من الله بفهم الله، واستبدال التسليم الأعمى باستخدام العقل،

وهذا كان كافياً ليصبح منبوذاً فى عصره، ومعلماً للفكر الحديث فى العصور اللاحقة، مثله مثل جاليليو وبرتراند راسل وبرونو وابن رشد، وغيرهم من المزعجين لكسلنا المزمن، الذين منعوا عنا قات الخرافة، ليمنحونا قوت العلم والمعرفة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يكرهون منبه اليقظة ويعشقون مخدر الغفلة يكرهون منبه اليقظة ويعشقون مخدر الغفلة



GMT 01:31 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الدولة الوطنية هى الحل!

GMT 01:29 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الحكومة تبتلع لسانها

GMT 01:28 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

نعم هناك تغيير

GMT 01:26 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

البلطجية فى كل مكان

GMT 01:26 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

مرحبًا بالملل.. من تعفن الفكر لتعفن الدماغ

GMT 01:25 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

«مينا يوسف».. من نسيج النبل المصرى

GMT 01:23 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

جددنا الخطاب؟ (8)

GMT 21:30 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

«حسبها أسودًا وهي أرانب».. قصة قصيرة

10 إطلالات جمعت بين الراحة والأناقة لدرة خلال رحلتها الصيفية

ماربيا - صوت الإمارات
استعرضت النجمة التونسية درة مجموعة من الإطلالات الصيفية المميزة خلال إجازتها في مدينة ماربيا الإسبانية برفقة زوجها المهندس هاني سعد، حيث جمعت خياراتها بين الراحة والأناقة لتناسب النزهات الشاطئية والتجول في شوارع المدينة. وارتدت درة فستاناً أبيض طويلاً بقصة انسيابية ومزين بتطريزات لامعة على هيئة نجمات وقواقع ونجوم بحر، مع جزء علوي بحمالات عريضة وتنورة خفيفة شفافة نسبياً، ونسقت معه صندلاً أبيض وحقيبة صغيرة بطبعة وردية. كما ظهرت بفستان طويل باللون الكشميري الوردي بطبعة شرقية مزخرفة بدرجات البني والوردي، تميز بعقدة متداخلة عند الخصر وفتحة جانبية، مكملاً بحقيبة دائرية وصندل بيج ووردي. وفي ظهور آخر، اختارت درة فستاناً قصيراً واسعاً بنقشات هندسية بألوان البيج والوردي الفاتح مع حواف من الدانتيل الأبيض وأكمام واسعة منفوشة، ...المزيد

GMT 14:44 2020 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

موديلات أحذية مول لإطلالة مريحة وأنيقة في المكتب

GMT 15:12 2016 الثلاثاء ,22 آذار/ مارس

الكرتون اثنين

GMT 15:53 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

حميد النعيمي يهنئ شرطة عجمان بفوزها بجائزتين دوليتين

GMT 11:06 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الخارجية الأميركية تساند المظاهرات الإيرانية

GMT 15:59 2019 الأربعاء ,02 كانون الثاني / يناير

مجدي بدران يبرز طرق تفادي تفاقم فيروس الإنفلونزا

GMT 04:19 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات "تيفاني" تجمعُ ناعومي كامبل وزوي كرافيتز

GMT 20:10 2018 السبت ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

"فيرجين هوليدايز" تفتتح متجرًا جديدًا للسفر في بريطانيا

GMT 09:38 2018 السبت ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

بواتينغ يشكر لوف بعد منحه راحة من مباراة ألمانيا

GMT 23:33 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

وصلة غزل من حسام الحسيني في والدته الفنانة نهال عنبر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates