بقلم - د. وحيد عبدالمجيد
كان التنوير الفرنسى ثوريًا وشغوفًا بالعقلانية المجردة والفردية المطلقة، فيما مال التنوير الإنجليزى إلى الاعتدال وتأكيد الحس الأخلاقى والفضائل الاجتماعية، هذا هو جوهر ما طرحه الزميل صلاح سالم فى مقاله هنا فى «الأهرام» قبل أيام «جغرافيا التنوير الجذرية الفرنسية والحكمة البريطانية»، إذ أجرى مقارنة عميقة بين النموذجين الفرنسى والإنجليزي.
وهو مصيب فيما ذهب إليه لأسباب أهمها الطابع المعتدل والتدريجى للتطور التنويرى الإنجليزى مقابل الطابع الثورى والسريع لمسار تطور التنوير فى فرنسا. فقد بدأت الإرهاصات الأولى للنموذج الإنجليزى مبكرًا فى القرن الثالث عشر مع إصدار وثيقة «ماجنا كارتا» بين عامى 1215 و1216، وتحولها إلى قانون عام 1297.
ومنذ ذلك الوقت مضى مسار التنوير الفكرى والسياسى فى إنجلترا بطريقة تراكمية بطيئة بخلاف فرنسا التى بدأ فيها هذا التطور فى القرن الثامن عشر الذى شهدت قرب نهايته ثورة عام 1789 العارمة.
لم تكن إنجلترا فى حاجة إلى مثل هذه الثورة بفضل التراكم الذى تحقق تدريجيًا منذ إصدار «ماجنا كارتا» التى فرضها البارونات (الطبقة العليا حينذاك) على الملك. وتضمنت تلك الوثيقة تقليص سلطة الملك ونفوذه مع ضمانات لحماية مصالح البارونات ومشاركتهم فى السلطة.
وبرغم أن «ماجنا كارتا» لم تُطبق بشكل كامل فقد كانت بداية أولى لعملية تاريخية تراكمية تبلور خلالها النموذج الإنجليزى فى التنوير، ووُضعت فى ثناياها أسس الديمقراطية الحديثة والحكم الدستوري.
وبخلاف النموذج- الفرنسي، الذى تداخل فيه التنوير مع ممارسات عنيفة بعيد ثورة عام 1789، كانت العملية التاريخية فى إنجلترا سلمية فى الأغلب الأعم. فقد كانت ثورة عام 1688 فى إنجلترا نخبوية ومحدودة، بخلاف ثورة 1789 الشعبية والجذرية فى فرنسا.
ومع ذلك فقد أسهمت الصراعات التى حدثت فى إنجلترا خلال القرن 18 فى مسار التطور فيها عبر إجراءات أهمها تشكيل مجلس كان أساسًا لبرلمان يلجأ المواطنون إلى أعضائه بمطالبهم وشكاواهم. وهكذا اختلف مسارا التنوير فى إنجلترا وفرنسا سياسيًا واجتماعيًا وليس فكريًا وثقافيًا فقط.