التبلد السياسى والكفر بالوطن

التبلد السياسى والكفر بالوطن

التبلد السياسى والكفر بالوطن

 صوت الإمارات -

التبلد السياسى والكفر بالوطن

عماد الدين أديب
بقلم - عماد الدين أديب

سأطرح اليوم سؤالاً مؤلماً للغاية:ماذا يحدث حينما نكتشف أن أحوالنا وقت وجود المحتل الغاصب كانت أفضل من حكم أبناء الوطن؟ماذا يحدث حينما يتوق الناس إلى زمن الاحتلال وينشدون «فين أيامك يا حبيب العين»؟!مأساة مشروعات إقامة دولة وطنية مستقلة وقعت فى خطيئة أن من حكموا استبدوا وأفسدوا وطغوا وتجبروا أكثر من قوى الاحتلال والانتداب!لذلك نسمع بين الحين والآخر عبارات مكتومة على ألسنة شيوخنا: فين أيام الإنجليز؟ يا ما أحلى أيام الفرنسيين؟ رحم الله أيام موسولينى! ليتنا كنا فى الكومنولث! أين أنت يا روميل؟وصل الأمر فى مدينة عربية أن استقبلت الناس المقهورة مصفحات قوات العدو الإسرائيلى بالورود والحلوى!حينما نصل إلى مرحلة أن تتمنى عودة جلادك وقاتلك، فإن ذلك لا يعنى فقط قمة الشعور بالمذلة والهوان، ولكن أيضاً يعنى الفشل الكامل لمشروع الدولة الوطنية التى يحكمها أبناؤها.الذى أثار هذه المسألة مؤخراً هو الدعوة التى أطلقتها الممثلة اللبنانية المبدعة «كارمن لبس» عقب شعورها بالإحباط الشديد عقب تفجير مرفأ بيروت وقبيل وصول الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لبيروت فى زيارة تضامن.قالت السيدة «لُبس»، كما شرحت بعد ذلك، إنها كانت ترى -من باب الإحباط- أن يعود لبنان إلى زمن الانتداب الفرنسى.وبالتأكيد لم ترد السيدة لبس أن يفقد لبنان السيد المستقل سيادته وأن يعود إلى زمن الوصاية الفرنسية والانتداب، لكنها قالت بعدما قهرها اليأس، والذل، والحزن والإحباط الوطنى، وبعدما رأت معاناة شعب يتألم ويصرخ بلا جدوى أمام حكامه، إن أسوأ شىء يمكن أن يحدث ـحتى لو كانت عودة المستعمرـ بالتأكيد أفضل من هذه «العصابة المفسدة» التى تسمى نفسها نخبة حاكمة!الحكم يقوم على سيادة الدولة، والسيادة تعتمد على الاستقرار، والاستقرار يقوم على رضاء المواطنين، ورضاؤهم لا يأتى إلا من الثقة فى الحكام، والثقة لا تباع ولا تشترى لكنها تكتسب!ومن حكموا لبنان، فى العصر الحديث، فى غالبيتهم فقدوا ثقة شعوبهم، لأنهم أفسدوا فى البلاد والعباد، ونهبوا المال العام، وباعوا سيادة الوطن، وتعاملوا مع الدولة وكأنها شقة مفروشة كبيرة تتسع لكل من دفع سعرها!والمؤسف أن يكون المحتل أكثر فهماً للشعب من «ابن البلد»!مثلاً: من يطلع على مذكرات شارل ديجول يعرف أن الجنرال الذى خدم فى مقتبل حياته ضابطاً فى جبل لبنان عقب الحرب العالمية الأولى كان يؤمن بأن الشخصية القومية للبنانى تعتمد على ركيزتين، المهارة والذكاء من ناحية، والعاطفة والحماسة من ناحية أخرى.وكان «ديجول» يوصى باحترام هاتين الصفتين.وقبل ذلك كان جاك شيراك من أقرب رؤساء فرنسا عاطفة تجاه لبنان، وأصدق أصدقاء الشهيد رفيق الحريرى، حتى إنه حينما تقاعد واشتد عليه المرض كان يعيش فى منزل من منازل الحريرى فى باريس.وعندما اغتيل الحريرى كان أرفع زعيم عالمى يركب طائرته مع زوجته للتعزية فى وفاة «صديقه المقرب».بالأمس شاهدنا إيمانويل ماكرون يخترق حاجز السلبية الدولية والحصار العالمى لحكومة حزب الله فى لبنان ويصل إلى بيروت «لدعم ومناصرة وبلسمة جراح الشعب اللبنانى».نزل ماكرون شوارع «الجميزة»، وهى منطقة تاريخية مميزة فى حى الأشرفية العريق، لها صبغة فكرية وتمتاز بمنازل تراثية عريقة، وفيها أماكن يرتادها الشباب فى أيام «الويك إند».اختلط «ماكرون» بالمواطنين فى الجميزة، لم يخش أى هاجس أمنى، ولم يخش مخالطة الناس فى بلد يعانى من انفلات فيروس كورونا، بل احتضن شابة باكية ارتمت فى أحضانه تشكو لها وجعها.أثبت ماكرون فى لقاءاته مع الناس البسطاء وجماعات المجتمع المدنى، وزعماء الأحزاب، ورؤساء السلطات الثلاث أنه متعمق فى ملفات لبنان أكثر من كبار ساسته، ولديه الوعى والفهم والحلول أكثر من كل النخبة الحاكمة!كان صراخ بعض الناس فى شوارع بيروت مزيجاً من 3 أمور:1- الدعوة لدعم ثورة أكتوبر 2019.2- عدم إعطاء أى دعم فرنسى لمؤسسات الدولة الفاسدة ولكن إيصاله مباشرة إلى مستحقيه من أبناء الشعب الصبور.3- مساعدة الشعب اللبنانى فى تغيير النظام.وكان ماكرون صريحاً واضحاً بشكل لافت حينما أكد للصحفيين اللبنانيين: «أنا لست لبنانياً أنا لا أستطيع أن أفرض أو أتدخل فى شئون سيادة دولة، أنتم الذين تختارون حكامكم وأنتم -وحدكم- الذين تغيرونهم».حينما يصاب بعض رموز النخب السياسية فى عالمنا العربى بحالة من «التبلد السياسى» وانعدام كامل فى التعاطف مع الجماهير، وفقدان مؤشرات الرضا أو السخط عند الناس تصبح الكوارث على الأبواب، ويصبح الوطن كله مهدداً بالخطر.الحالة اللبنانية ليست غريبة عن الكثير من حالات الإحباط الوطنى تجاه الإخفاق الكامل لحكم أبناء الوطن.ولست أعرف ما الذى يجعل أى إنسان لديه الحد الأدنى من الكرامة الوطنية أن يقبل أن يعامله رئيس دولة أجنبية على أنه أمر واقع مضطر لمخاطبته من باب البروتوكول، لكنه، لا يثق فيه، ولا فى قدرته، ولا فى مصداقيته، ولا فى نزاهته، إلى الحد الذى يحجم فيه عن إعطاء أى مساعدات مباشرة لحكومته، ويضع شرطاً أن تكون الأمم المتحدة هى جهة الإشراف عليها لضمان عدم سرقتها!؟كان للزعيم الفرنسى شارل ديجول الذى أحب لبنان -عن عاطفة صادقة- نصيحة وجهها إلى النخبة السياسية اللبنانية من خلال لقائه بالشباب فى الجامعة الشيوعية اللبنانية قال فيها:«عشت فى لبنان من عام 1929 - 1931 وأرى أن ضمان بقاء لبنان يكمن دائماً وأبداً فى ضرورة السعى لإصلاح الدولة اللبنانية، وأولوية المصلحة العامة على أى مصالح أخرى، والتأكيد على دولة القانون والخدمة العامة وعلى دولة الحق، وهو أمر تفتقد إليه».ولو عرف ديجول ما يحدث فى لبنان الآن لتقلب الرجل فى قبره بمسقط رأسه لأننا ما زلنا نفقد أى حق من أى نوع!لست أعرف أى ساسة هؤلاء الذين يقبلون أن يجلسوا مع رئيس دولة أجنبية ليعطيهم دروساً فى الشفافية، والنزاهة، وضرورة مكافحة الفساد، والإقدام على خطوات محددة نحو الإصلاح. ويجعل أى مساعدة مشروطة بذلك؟حالة التبلد السياسى أصابت النخب السياسية، وحالة الكفر بالهوية الوطنية أصابت الناس، وما بين هذا وذاك يضيع منا أعظم وأعلى الأشياء وذلك هو «الوطن».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التبلد السياسى والكفر بالوطن التبلد السياسى والكفر بالوطن



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 04:54 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

المأكولات الحارة ودورها في تفاقم التهاب المسالك البولية
 صوت الإمارات - المأكولات الحارة ودورها في تفاقم التهاب المسالك البولية

GMT 03:03 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

TeraWave هل ستغير قواعد الإنترنت الفضائي للشركات والحكومات
 صوت الإمارات - TeraWave هل ستغير قواعد الإنترنت الفضائي للشركات والحكومات

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 06:13 2017 الإثنين ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة نايل دراما تعرض مسلسل "جبل الحلال"

GMT 20:46 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن أسوأ عام مر على كوكب الأرض

GMT 13:42 2015 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

العثور على أصغر كائن بحري في القطب الجنوبي

GMT 16:11 2013 الإثنين ,28 كانون الثاني / يناير

قطر توقع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة مع المجر

GMT 13:43 2013 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

الكهرباء والإنارة للريف العماني بالطاقة الشمسية

GMT 14:13 2012 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

العند هو أساس الخلافات الزوجية

GMT 15:27 2020 السبت ,14 آذار/ مارس

مي كساب تكشف كواليس مسلسل "اللعبة"

GMT 18:35 2019 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

محافظ شبوة اليمنية يكشف سر تواجده في السعودية لنحو 3 أسابيع

GMT 15:59 2019 الأحد ,06 كانون الثاني / يناير

زماني يُؤكّد وجود مُشترين للنفط "يدفعهم الجشع"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates