السنة الوباء ذهبت فلتذهبْ

السنة الوباء... ذهبت فلتذهبْ

السنة الوباء... ذهبت فلتذهبْ

 صوت الإمارات -

السنة الوباء ذهبت فلتذهبْ

غسان شربل
بقلم - غسان شربل

الكومبيوتر أفضلُ من الإنسان. يستطيع أنْ يمحوَ جملة أو مقالة، ومن دون أن تخلّفَ أي أثر. يشطبُها نهائياً من ذاكرته وملفاته. تمنَّيت لو أنَّ الإنسانَ يمتلك هذه القدرة الذهبية. كأنْ يستدعي هذه البقعة المعتمة ويشطبُها إلى غير رجعة من عمره وذكرياته. ولا بأس أن تضيعَ سنة من رصيد يبقى متواضعاً مهما طال، فهذه السنة - التهمة لا تستحق غير مقابر النسيان. وتنتابُ المرءَ أحياناً صورٌ لا تستحقُّ النشر. كأنْ يحلم باستدعاء هذه الجريمة المتمادية شهراً شهراً، ويطلق عليها النار تباعاً لإفراغ هذه الرغبة العميقة في الثأر من قاتل خاطبنا بالجثث فور وصوله.

في مثل هذه الأيام من السنوات السابقة كنَّا نعاتب الأيام لأنَّها تفرُّ من بين أصابعنا. وكنَّا نحاول اعتقال الوقت الهارب بالمواعيد الجميلة وساعات الودّ والسهر وتبادل الهدايا. وكان الوقت يتَّسع للعناق والتعبير عن الأشواق والتحلُّق حول الموائد والضحكات. والحقيقة هي أنَّنا لم نكن نقدّر نعمة العيش العادي حقَّ قدرها. العيش بلا الكمامات والمطهرات وسهام الشك في كل بشري يقترب. لم نعرف متعة العيش العادي إلا حين دفعنا الزائر القاتل إلى حوافّ الجحيم.
لم نجرب مثل هذه القسوة المتمادية من قبل. البريطانيون الذين ذاقوا أهوال الحرب العالمية الثانية يقولون إنها أقل وحشية من هذه السنة التي أنشبت أظافرها في أعناقنا وأرواحنا. يروون أنَّ المشاعر الوطنية والقومية والإصرار على مواجهة النازية وبشاعاتها، كانت توفّر لسكان المدن المستهدفة نوعاً من التعويض المعنوي. وعلى رغم الذعر الذي كانت تثيره الطائرات المحملة بوعود القتل، كان يمكن التحايل على غاراتها. مرة باللجوء إلى الطوابق الأرضية أو الملاجئ، ومرة أخرى بالابتعاد إلى الأرياف، إذ كان صعباً على طائرات الفوهرر أن توزع الموت على هذا العدد الهائل من الأهداف. ثم إنَّه كان من مصلحة القاتل ألا ينفق قنابله إلا على الأهداف الاستراتيجية أو المواقع الحساسة. لم تكن ثمة جدوى من قتل الناس العاديين، وهو ما يستعذب القاتل الحالي ممارسته. الفرنسيون الذين ذاقوا إذلال رؤية هتلر يتمشَّى متغطرساً في جادة الشانزيليزيه يقولون إنَّ مرارات تلك الأيام أقل من مرارات هذه السنة التي تستعدُّ للفظ أنفاسها. كان هناك شعور عارم بالغضب. رغبة كثيرين في المقاومة. جنوح قسم إلى التعامل. أمل بانقضاء موسم الذل. وكانت بعض العائلات تخبئ المقاومين في غرفها الدَّاخلية، أو تجازف وتحمل إليهم الخبز في أماكن تواريهم. كان الخوف حاضراً. وكان الموتُ وارداً. لكنَّ الإنسان لم يقف صاغراً ومشلولاً، على غرار ما وجد نفسه في خضم هذه الجائحة.
ليس بسيطاً أن يقول الناس إنَّ الحرب وإن كانت عالمية تبقى أقلَّ وحشية من الوباء. في الحرب تعرف عنوان خصمك. والذرائع التي أوردها للانقضاض عليك. تعرف الجهة التي يأتي منها الخطر. الموقع الذي تنطلق منه النيران. تختبئ وتبتعد. تحصل على مساعدة من قريب. تلقي برأسك على صدر ذويك. تكفكف دموع أمك. تمشي في جنازة صديقك. من يصدق أن المرء بات يشتهي العودة إلى زمن للإنسان فيه حق إلقاء نظرة الوداع على قريب مغادر في رحلة لا عودة منها.
لم يقرع القاتل المتسلسل الباب، ولم يستأذن في الدخول، ولم يمهد لجريمته بذريعة أو إنذار. انتشر كالهواء، وتدفق كالمطر، وتسلَّل إلى القارات والدول والمدن والقرى غير آبهٍ، لا بترسانات ولا بحصانات.
لم نكن نقيم في عالم وردي قبل إطلالة «كورونا». والصحافي العربي دفتر آلام في الأيام العادية، فكيف حين تجتمع النوائب. ولم يكن العقد الماضي بسيطاً ولا سهلاً ولا لذيذاً. ولطالما شعرت أنني أمارس في الصحافة دور حفار قبور، إذ كنت أتدخّل في غالب الأيام لأعثر على مكان في الصفحة الأولى لمذبحة جديدة أو مقتلة واسعة. كان ذلك يوم التقت مصلحة أهل الظلام بمصلحة أهل الظلم في تحويل «الربيع العربي» فخاً هائلاً لإغراق الشباب الغاضب في أمواج الوحل والدم. وكنا نتذمَّر من الصفحات الأولى المثقلة بالجثث الوافدة من هذه العاصمة أو تلك المدينة. وقلنا لبعض الوقت إن منسوب القتل انحسر بعدما انحسر الشباب من الساحات بفعل الغارات أو الالتفافات، وتوهمنا أننا غادرنا منطقة القتل في إجازة طويلة. كانت الحسابات غير دقيقة، فقد وجدنا أنفسنا فجأة في عهدة «كوفيد 19»، وصار علينا أن نتخصص في كوارثه وسلالاته.
لا أريدُ الكتابة عمَّا فعله القاتلُ المتسلسل باقتصادات العالم. الخسائر غيرُ مسبوقة والحساب مفتوح على المزيد. ولا أودُّ الخوض في تأثير «كورونا» على توزع المقاعد في نادي الأقوياء، والموقع الذي ستشغله الصين في السنوات المقبلة. ولا أريد التكهن بقدرة بايدن على الإفادة من تعطش بعض الدول إلى أميركا القادرة على إدارة تحالفات واسعة لمواجهة الصعود المقلق لقوى لا يمكن اتهامها باحترام حقوق الإنسان. ولا أرغب أيضاً في الحديث عمَّا أكدته الجائحة عن حاجة الشعوب الملحة إلى حكومات تتسم بالكفاءة والنزاهة وإدارة عقلانية للموارد، وبناء مؤسسات صحية وإنقاذية متطورة. حكومات تستعد للكوارث البيئية ولأي جائحة مقبلة.
لا أريدُ كل ذلك. أتطلَّع فقط لأن أرى السنة تغادر سريعاً كمجرم اقترف من الذنوب ما يفوق طاقته على الاحتمال. أحبُّ أن يتوقف القاتل المتسلسل عن اصطياد الناس. وأريدُ أن أحييَ الحراس الحقيقيين، أعضاء «الجيش الأبيض»، الذين وقفوا على خطوط النار في المستشفيات والمختبرات يحاولون رفع مشعل الأمل في عالم مختنق بسعال المصابين وصمت المغادرين. أريدُ أن أرى الإنسان ينتصر على السنة الوباء.
2020 سنة الوباء. سنة القاتل المتسلسل. سنة الحرب العالمية الثالثة. لا أسف عليها. لا تستحق دمعة ولا تلويحة منديل. سنحتفل بموتها بعدما احتفلت بموتنا. ولن ننسى أن نشكر الكتاب والصحافيين والممثلين والعازفين، وكل من ساعدنا على مقارعة الوقت والإقامة سنة كاملة في هذا المعتقل الكبير الذي نسميه العالم. سنرميها إلى غير رجعة كجوارب متسخة بالغدر والدم. ذهبت فلتذهب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السنة الوباء ذهبت فلتذهبْ السنة الوباء ذهبت فلتذهبْ



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates