عميد الرَّهائن

عميد الرَّهائن

عميد الرَّهائن

 صوت الإمارات -

عميد الرَّهائن

بقلم : غسان شربل

سألتُ الرَّجلَ المعنيَّ عن قراءته للوضع في جنوبِ لبنان، فردَّ قائلاً: «لدينا جزءٌ محتلٌّ من أرضنا. إنَّه رهينةٌ في يد الجيش الإسرائيلي. كنت أتمنَّى لو أنَّ الجيش اللبناني قادرٌ على استعادة الأرض المحتلة بقواه. لكنَّ ذلك غير ممكن. الخلل في ميزان القوى هائلٌ وفظيع. وإسرائيلُ بعد السابع من أكتوبر أكثرُ وحشيةً وقوةً ممَّا كانت عليه قبل ذلك التاريخ. ترك المهمة لـ(حزب الله) خيار انتحاري. لا يستطيع لبنانُ احتمالَ دورةٍ جديدة من المواجهات العسكرية. لبنانُ منهكٌ اقتصاديّاً. وأكثريةُ اللبنانيين يعارضونَ العودةَ إلى الحرب. خيارُ الحرب يعني أيضاً إبقاءَ لبنانَ رهينةً لمواجهة تفوق طاقته».

أضاف: «للأسف أمضَى جنوبُ لبنان، ومعه الوضعُ في لبنانَ بأسره، وقتاً طويلاً في وضع الرهينة. في السبعينات كانَ جنوبُ لبنان رهينةَ المواجهة الفلسطينية - الإسرائيلية. كانَ صندوقَ بريدٍ ترسل عبره التنظيمات الفلسطينية رسائلَها المتفجرةَ لتذكير العالم بحقوق الفلسطينيين. اعتبر الجنوبُ أرضاً خارج سلطةِ الدولة التي ينتمي إليها. إلى الجنوب أرسلَ معمر القذافي ترسانةً من الأسلحة. وأرسلَ صدام حسين أسلحةً ورجالاً. ووظَّفَ حافظُ الأسد الوضعَ لإظهار نظامِه في صورة الضامنِ والمهدئ. دخلَ مسلحون من جنسيات كثيرة ومن دون مجرد التَّفكير في استئذان الحكومة اللبنانية».

قالَ إنَّ السلطةَ اللبنانية «تحاول إنقاذَ رهينة اسمها جنوب الليطاني ومن دون عودةِ الجنوب رهينةً لنفوذ إيران والحرس الثوري. لهذا كانَ خيار الرّهان على دور الولاياتِ المتحدة لتحرير جنوبِ لبنانَ من الاحتلال الإسرائيلي وتخليصِ الجنوب ولبنانَ بأسره من وضع الرّهينة في البرنامج الإقليمي الإيراني. حين لا تكونُ لديك القوةُ الكافيةُ لإنقاذ الرهينة لا بدَّ من ثمن والجهد ينصب على تقليص هذا الثمن».

قصةُ الرَّهائن في الشرق الأوسط ليست جديدة. مارستها إسرائيل منذ عقود. كانت تحتلُّ أرضاً عربية ثم تفرض على صاحب الأرض دفعَ ثمن الإفراج عنها وتحديداً لجهة الإقرارِ بحق إسرائيلَ في الوجود والخروج على الأقل من الشّق العسكري في النزاع معها. ذاتَ يوم اتَّخذ الرئيس أنور السادات قراراً انتحاريّاً وجريئاً قرَّر دفعَ ثمن الإفراج الكامل عن سيناء كي لا تبقى مصرُ رهينةَ النّزاع وتكاليفه الباهظة. في المقابل امتنعَ الرئيس حافظ الأسد عن دفعِ ثمن تحريرِ رهينةٍ اسمُها الجولان. ربَّما لأنَّه ابنُ أقلية، وربَّما لأنَّه كان يفكر دائماً بأنَّه من الأفضل لوريثه من العائلة أن يرثَ قضيةً تبرّر حكمَه بدلاً من أن يرثَ علماً إسرائيليّاً في دمشقَ سيزوّدُ خصومَه بمبررٍ لإطاحته. وهكذا ترسَّخَ وضعُ الجولان باعتباره رهينةً ولا يزال.

إيران أيضاً بكَّرت في اعتماد سياسة الرهائن. مشهدُ العاملين الأميركيين رهائنَ في سفارة بلادهم في طهرانَ بعد ثورة الخميني لا يغيب من الذاكرة. في الثمانينات نقلت إيرانُ تجربةَ الرّهائن إلى لبنان. مجموعاتٌ صغيرة بأسماء ثورية أو إسلامية أقدمت على احتجاز أميركيين وأوروبيين من جنسيات متعددة. انطلقتِ اللعبةُ من شعور بأنَّ الدولَ الديمقراطية ضعيفة أصلاً. ليس بسيطاً بالنسبة إليها شنُّ حربٍ محفوفة بالأخطار في منطقة معقدة من أجلِ الإفراج عن رهينة. وفي المقابل لا تستطيع هذه الحكوماتُ التخليَ عن أحدِ مواطنيها واعتباره شهيداً كما تستطيع أنظمةٌ أخرى. بدا احتجازُ فردٍ وكأنَّه اقتيادُ بلادٍ كبيرة إلى قفصٍ صغير. ولم يكن أمام هذه الدول غيرُ خيار التفاوض حتى ولو استمرت في ترداد عبارة أن لا تفاوض مع الخاطفين والإرهابيين.

هل بلغت قصة الرهائن ذروتها مع الحرب الحالية التي تهز الشرق الأوسط وحسابات الأمن والاستقرار فيه؟ لا مبالغة في القول إنَّ المنطقة، وربَّما العالم، أمام أزمة رهائن غير مسبوقة على الأقل في العصر الحديث. إنَّنا نتحدَّث هنا عن مضيق هرمز. يمكن القول إنَّ إغلاقَ المضيق وضع العالم بأسره أمام أكلاف تحوّل الاقتصاد العالمي رهينة تطالب إيران بتقاضي ثمن مرتفع في مقابل الإفراج عنها. تطالبُ بتحويل المضيق ورقةً دائمة في يدها تمسك عبرها بخناق هذا الخط الذي تتدفّق عبره الطاقة والسلع.

إبقاءُ هرمز في وضع الرَّهينة يعني الجميع. إنَّه يؤثّر على أسعار الوقود التي ترفع أسعار كل السلع الأخرى حين ترتفع. وهذا يعنِي أنَّ الأزمةَ تمسُّ سعر الرغيف ووجبات الفقراء في دول قريبة وبعيدة. وتلويح الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب يهدد بإضافة رهينة أخرى لا تستطيع دول المنطقة التعايش مع وقوعها في الأسر. لا مجال للإنكار أنَّ إيرانَ عثرت في مضيق هرمز على فرصة لاحتجاز رهينة يحتاج العالم إلى الإفراج عنها في أسرع وقت. وللتَّخفيف من وقع الخطوة الإيرانية لجأ دونالد ترمب إلى فرض الحصار البحري على إيرانَ لتحويل الاقتصاد الإيراني المنهك رهينة، وعلى أمل تنظيم عملية تبادل للإفراج عن الرهائن.

أزمة رهائن فظيعة. يمكن أن تكونَ الرهينة فرداً أو مدينة أو خريطة تعتقلها الميليشيات أو تطوقها. والقصة لا تقتصر على الشرق الأوسط. أوروبا التي توهَّمت بأنَّها طوت صفحةَ الرهائن والتلاعب بالحدود تجد نفسها أمام وضعٍ شائك. للسَّنةِ الخامسة يقاتل جيش «فلاديمير الكبير» في الأراضي الأوكرانية. اللَّافت أنَّ بوتين لا يقبل بالإفراج عن الأراضي الأوكرانية التي تحوَّلت رهينةً بل يطالب زيلينسكي بالتَّنازل عنها.

أزمةٌ رهيبةٌ كشفت عجزَ القانون الدولي وأكاذيب عبارة «حسن الجوار». دموعُ غوتيريش عاجزةٌ عن المساهمة في إطلاق الرهائن من غزةَ المثخنةِ إلى مضيق هرمزَ عميدِ الرَّهائن في العالم الجديد والمخيف.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عميد الرَّهائن عميد الرَّهائن



GMT 17:00 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

إميل حبيبي

GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

شطرنجيات بقائي

GMT 16:58 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

GMT 16:56 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

سياسات نفطية

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الرياض وباريس... قرنٌ من الشراكة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

واشنطن و«حزب الله»... ملاحقة كاشفة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

بين لبنان النموذجي و«المناطق النموذجية»

ليلى زاهر تستقبل طفلتها الأولى وتلهم الحوامل بإطلالات راقية

دبي - صوت الإمارات
شاركت النجمة المصرية الشابة ليلى أحمد زاهر متابعيها خبر استقبال مولودتها الأولى "إيلا" من زوجها المنتج هشام جمال، لنستعرض أبرز إطلالاتها الملهمة خلال مرحلة الحمل، والتي اتسمت بالرقي ومواكبة الموضة بأسلوب ناعم يبرز أنوثتها ووقارها. تألقت ليلى في ظهور إعلامي برفقة زوجها بفستان انسيابي بقصة "درابيه" واسعة من توقيع دار "لويس فويتون"، تميز بكسرات خفقت ملامح قوامها وطبعات ورود باهتة بلون السيمون، ونسقت معه حقيبة مطابقة وتسريحة ذيل حصان عالٍ. وفي أول إعلان رسمي عن حملها تحت الأضواء خلال مشاركتها في مهرجان كان السينمائي، استعرضت حملها بفستان سهرة أبيض محدد القوام من تصميم رامي قاضي، جاء بأكمام طويلة وأطراف مزينة بطبقات الريش المتدرجة مع ذيل خلفي طويل. وحافظت النجمة الشابة على أسلوبها الناعم في مناسبات السهرة باخ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 05:41 2018 الخميس ,14 حزيران / يونيو

تعرف على كيفية صلاة العيد وحكمها و10 سُنن مستحبة

GMT 02:24 2020 الخميس ,02 كانون الثاني / يناير

50 % انخفاض أسعار الأسماك في أم القيوين

GMT 18:55 2018 الإثنين ,14 أيار / مايو

ثلاثون بلاء كان يستعيذ منها النبي

GMT 20:02 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

ترقب الانتهاء من تمويل سكني لـ500 ألف أسرة سعودية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates